ما بين ضائقة السكن ...وارتفاع الإيجارات في القدس

بقلم : راسم عبيدات

يبدو بان المجتمع المقدسي يتعرض الى عملية "طحن" ليس فقط بسبب اجراءات وممارسات الإحتلال االقمعية والإذلالية بحقه، والقيود التي يفرضها عليه، كنتيجة للتعقيدات والإجراءات التي تفرض على منح تراخيص البناء بالإضافة الى الأثمان الباهظة للحصول على الرخصة، والتي تتجاوز ال (50) الف دولار للشقة التي لا تزيد مساحتها عن 100متر مربع. وبالنتيجة فإن أي شقة معروضة للبيع في القدس بهذه المساحة لا تقل عن مليون شيكل جاهزة للسكن .

وفي ظل معدل فقر لسكان القدس تجاوز الـ٨٠% وفقدان للحقوق الإقتصادية والإجتماعية لكل من يسكن منهم خارج حدود ما يسمى ببلدية القدس، نجد بأن هناك ضغط كبير على السكن في القدس، فمشاريع الإسكان القائمة بالأسعار المرتفعة للشقق لا تتيح للكثير من المقدسيين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط امتلاك شقة في المدينة، ولذلك نجد بأن هناك طلب كبير على الشقق السكنية في القدس، وتضطر العائلات المقدسية للعيش مكدسة كعلب السردين في مساحات ضيقه، وما يجلبه ذلك من مشاكل اجتماعية وضغوط نفسية تنفجر على شكل إحتراب عائلي وعشائري وقبلي وخصومات عائلية وأسرية ،حيث لا تتوفر لها القدرة على دفع اجرة شقة تستهلك ثلاثة أرباع معاشها او لربما معاش معيل للأسرة بأكمله، فاليوم لا تقل اجرة أي بيت عن 2500 شيكل في أي بلدة من بلدات القدس، وليصل هذا الإيجار الى 4000 شيكل في العديد من مناطق القدس، شعفاط - بيت حنينا - بيت صفافا وغيرها يضاف لذلك ضريبة المسقفات " الأرنونا" ورسوم المياه والكهرباء والمجاري وغيرها،والدفع للأجرة يكون في الكثير من الأحيان مقدماً لمدة ستة شهور أو عام.

البعض من المؤجرين يرى بان قيامه بتأجير أسر مقدسية قد يجلب له "وجع" الرأس ولذلك يقوم بالتأجير لأجانب ومؤسسات اجنبية، والذين في اغلبهم يعتاشون ويترفهون على حساب مأساة شعبنا الفلسطيني من العاملين في المؤسسات الدولية .. صليب احمر،اتحاد اوروبي- ( يو ان دي بي) ..الخ.

نحن نجد أنفسنا امام معادلة صعبة في القدس، فلا وجود هناك لما يسمى بموسكوفيتش ملياردير الإستيطان اليهودي في القدس، ولا دعم حقيقي لإسكانات تخفف من ازمة السكن والإيجارات المرتفعة في القدس، ولا يوجد تعاون حتى من أصحاب البيوت في التخفيف من اجرتها، بل نجد بان مؤسسات الإسكان والمؤسسات المصرفية، تضع شروطا صعبة على من يريد الحصول على قرض للسكن، لا يتمكن الكثير من المقدسيون من تلبيتها .

وحتى الآن لم نلمس أي خطة ذات بعد استراتيجي لمواجهة مخططات تهويد المدينة لا من وزارة شؤون القدس ولا من رئاسة الوزراء ولا من الحكومة ولا من منظمة التحرير، ولا من الفصائل، فقط شعارات و"هوبرات" اعلامية...ألم يحن الوقت لكي تقوم الحكومة والمنظمة بتخصيص مبلغ سنوي أو شهري يدعم قيام اسكانات في المدينة يؤجر أو يملك البيوت للمقدسيين بأسعار تتناسب وقدراتهم على الدفع، وبما يمكنهم من الصمود والبقاء في المدينة ؟ ام ان البعض سيستمر في "الشحدة" و"التسوّل" باسم القدس ودون دعم جدي وحقيقي يصل الى اهلها؟

نحن ندرك بان بعض القابضين على مفاتيح الدعم العربي والإسلامي من المنتفعين والفاسدين، ولذلك أرى بان يعمل المقدسيون بالتعاون مع بعض المؤسسات التي تعمل في مجال الإسكان وتتوفر عندها المصداقية الى تشكيل لجنة اهلية لأهل القدس تضم عددا كبيار من الأهالي يخاطبون فيها العرب والمسلمين، من اجل توفير قنوات دعم مالي تمكنهم من الصمود والبقاء على أرضهم .

الكثير من المقدسيين لا تتوفر لهم الأموال الخاصة من أجل دفع تكاليف رخص البناء،ولذلك لا بد من البحث عن طريقة أو آلية عملية، تمكن هؤلاء الأشخاص من الحصول على قروض ميسرة او منح مالية، من اجل البدء بإجراءات الترخيص، وهذا يتطلب ان يكون هناك صندوق خاص، تشرف عليه هيئة مقدسية مهنية، تتولى تقديم الضمانات للجهات المصرفية والبنكية،او تسهم في تقديم منح مالية للمواطنين للشروع في إجراءات الترخيص، فليس من المعقول، ان نتحدث عن تعزيز صمود المقدسيين وبقائهم في قدسهم وعلى أرضهم، ولا نقدم لهم أساسيات البقاء والصمودفي ظل إحتلال بات على درجة عالية من " التوحش" و" التغول" على المقدسيين ووجودهم في المدينة،حيث بتنا نشهد بشكل يومي عمليات هدم لمنازل ومنشآت تجارية وزراعية وصناعية مقدسية، وبات الإحتلال يمعن ويتفنن في إذلال المقدسيين وإمتهان كرامتهم،عبر إجبارهم على هدم منازلهم وبيوتهم بأيديهم.

في ظل ما تعيشه السلطة من ازمة مالية خانقة، وكذلك محدودية الدعم المقدم لسكان القدس، فلا بد من القيام بمبادرات شعبية بالتعاون مع القطاع الخاص ورجال الأعمال، عنوانها " لنعزز وجودنا وصمودنا في مدينة القدس"، وهذا التعزيز والصمود يجب ان ننزع عنه سياسة البكاء والتشكي و" التسوّل" و" الشحدة"، ويجب أن يكون لدينا الإرادة والقدرات، وان نُفعل كل طاقاتنا وإمكانيتنا الذاتية، كما يقول المأثور الشعبي" ما حك ضفرك غير جلدك"، وإلا فإننا سنجد أنفسنا جزرا متناثرة في محيط اسرائيلي واسع، ضمن مخططات تهويد المدينة، وسياسة التطهير العرقي، التي تستهدف طرد وترحيل أحياء فلسطينية مقدسية بأكملها، حيث نجد تجليات هذه السياسة فيما يمارس من طرد وتهجير بحق سكان حي بطن الهوى في سلوان، وكرم الجاعوني في الشيخ جراح وكبانية ام هارون في تلك المنطقة، والان "انياب "جرافات وبلدوزرات تنغرس في أساسات بيوت سكان حي واد ياصول، التقاء قرى جبل المكبر وسلوان والثوري،حيث أكثر من 60 بيتا يتهددها خطر الهدم. فقد جرى حتى اللحظة هدم ستة من بيوت الحي، ومعول الهدم والتدمير مستمر بلا رحمة ولا هوادة، في ظل صمت دولي مطبق ومتواطىء مع دولة الإحتلال، وردود فعل عربية وإسلامية لا تكاد تذكر، حيث النظام الرسمي العربي،بات مشلولاً وعاجزاً، بحيث لم يعد يقوى حتى على اصدار بيانات الشجب والإستنكار التي لا تساوي قيمة الحبر الذي تكتب به.

الإنسان المقدسي " يطحن" بشكل يومي، يطارد في وجوده وبقاءه ولقمة عيشه، وحلمه ان يجد له بيتا اوغرفة تأويه، أو يزوج فيها ابنه، وكثيراً ما يسقط ويتهاوى هذا الحلم امام عينيه، فبعد أن يخسر كل شقاء و" تحويشة" عمره، تأتي جرافات وبلدوزرات الإحتلال، لكي تطيح بهذا الحلم، ويقف على أطلال بيته المهدوم، مع كل شريط ذكرياته ولا يعرف أين يولي وجهه. فكلمات التعاضد الضامن ورفع المعنويات، لن تنجح في إيجاد بيت له يأويه،ليخرج هائماً على وجهه كافراً بكل الإنسانية ودعاتها.

في القدس نحتاج الى ان نتعاضد ونتكاتف مع بعضنا بالفعل لا بالقول، وان نرحم ونحتضن بعضنا البعض، فالمحتل يستهدف إقتلاعنا وتهجيرنا.

وليكن أصحاب العقارات ومالكوها رحماء على أبناء شعبهم وجلدتهم، في أسعار الأيجارات، وليكن المستأجرون أيضاً محافظين على البيوت التي يستأجروها ولا يختلقون المشاكل لمؤجريها.