المصرارة.. تغيّرت المعالم وغاب العمّال

المصرارة.. تغيّرت المعالم وغاب العمّال

العمال والحمّالون في مواجهة تحدي البقاء

من سيماهم صنع الفنان التشكيلي سليمان منصور "جمل المحامل"

قصص وحكايات الخبز المُرّ وضحايا النصب والاحتيال


رام الله - "القدس" دوت كوم - تحقيق خاصّ - غابت لسنوات طويلة تلك الجلبة التي كان يحدثها عُمّال المصرارة وعتّالوها في المكان الذي كان كعبة الساعين للرزق الحلال، فيمشون في مناكبها آناء الليل وأطراف النهار، يمسحون عرقهم من هجير تموز القائظ ويتلفّعون بأردية ثقيلة خشية برد كانون.

في هذا التحقيق نرصد مواقف وطرائف وغرائب عاشها ويعيشها شريحة من فئة العتالين وعمال المياومة في المصرارة الذين بات وجودهم كباقي الوشم في ظاهر اليد، نستمع إلى بعض حكاياتهم وقصصهم المسكوت عنها وما واجهوه من معاناة جرّاء انتقالهم من دفء الفراش في ساعات الفجر الأولى إلى مكان تجمُّعهم على رصيف المصرارة الشعبي بانتظار أرباب العمل الإسرائيليين اختيار ما يحالفه الحظ منهم. لينقضّوا على مركبة صاحب العمل إلى أن يصلوا إلى ورش العمل وما ينتظرهم هناك من مواقف وحكايات وعذابات فيها الكثير من العبر والدروس. ويجلس من لم يحالفه الحظّ على قارعة الطريق يندب حظّه العاثر في المقاهي الشعبية، مقاهي المظلات، على "كورنيش" المصرارة المكتظ بالحركة يحتسون القهوة أو الشاي بالنعناع ويأكلون لقيمات من الخبز المُرّ ويزجون وقتهم بلعب الورق قبل العودة إلى بيوتهم مع مغيب الشمس بخفي حنين.

مصرارة 1

"زينغو ورينغو"!

المراقب عن قرب، ابن حي المصرارة ومختارها الفتي العفي، نائل سيد احمد الذي تعّود منذ الطفولة على هرج ومرج عمال المياومة والعتالة يقول: "نفتقد منذ سنوات زخم ظاهرة عمال المصرارة الذين كان وجودهم يضفي على الحي نكهة خاصة منذ الصباح الباكر إذ تدب الجلبة والضوضاء في الحي والسوق وتختلط أصواتهم وسجالاتهم مع أبواق السيارت العابرة وأصوات مناداة الباعة وسائقو السرفيس لنقل المسافرين من القدس إلى حيث يشاؤون.. فتحس أنك تستمع إلى سيمفونية عجيبة غريبة مليئة بالشجن.

FotoJet (16)

ويعيد سيد أحمد تراجع الظاهرة إلى إجراءات وممارسات الاحتلال التي حاصرت القدس ومنعت العمال الذين كانوا يولّون وجوههم شطر المدينة المقدسة أو أولئك القادمون من ضواحي القدس التي سلخت عن محيط المدينة، بسبب الجدار العنصري إضافة إلى تطور آلة العمل من "ونشات/ رافعات"، كما لعب الـ "آي فون" دورًا في تقليص أعداد المتجمعين. وما زال يذكر بالخير العتالين المرحومين الملقبين بـ "زينغو ورينغو" و" تكسي وز" وطرائفهم الجميلة وما يضفونه على الحيّ من بهجة ومرح بأصواتهم الممطوطة المحببة.

وتتعرض هذه الشريحة من العمال والعتالين الذين يمتهنون عادة أشغال كثيرة "سبع صنايع والبخت ضايع" إلى أمور متناقضة من سلوكيات نتيجة لاختلاف الثقافات، وإلى عمليات نصب واحتيال وإلى حالات ابتزاز وأشياء كثيرة قد لا تخطر على بال. دعونا نستمع إلى جزء من حكاياتهم التي لا تنتهي مع طالع كل شمس.

"العقدة" المشؤومة

أحد "الطوبرجية" أجبره صاحب ورشة إسرائيلي في إحدى المرات على إعادة "عقدة باطون" في ورشة بناء سمكها 10 سم، بحجّة أنها غير ملائمة، ما تسبب له بخسارة قدرها مئة ألف شيكل.

نجا من الأفعى بأعجوبة

عتالون نقلوا عفشًا وكراكيب كانت ملقاة في حاكورة منزل قرب مدينة الناصرة، فاكتشف أحدهم وهو يقوم بإعداد مكان على ظهر الشاحنة للاستلقاء عليه من وعثاء السفر الطويل، وجود ثعبان بين طيات بعض "البطانيات" التي كان يعتزم أخذ قسط من الراحة عليها، فنجا بأعجوبة من لدغتها القاتلة، وتمكّن العمال من قتلها لأنها لم تستطع التحرك على أرضية الشاحنة الملساء.

العشرة الحلبية

لاحظ بعض العتالة أن "أيام زمان" كانت أجمل من حيث العشرة الحلبية بين عمال المياومة والعتالين والحمالين، فالطيبة والنخوة باتت اليوم عملة نادرة حسب أقوالهم. إذ كانت "قلوبهم ع بعض" ويندر أن يتنازعوا على "رزقة" جاءت لأحدهم، وكانوا يأكلون من صحن واحد ويشعرون بالشبع والاكتفاء، ويشربون من كأس ماء واحد ويرتوون، وكانوا يحرصون على سمعتهم، ويتّصفون بالأمانة ويتحلون بأخلاق أبناء البلد من سجايا الشهامة وإتقان العمل على أصوله، ويكاد يكون واحدهم محللًا نفسيًا يتعامل مع أصحاب المصلحة على قدر عقولهم، ويراعي نفسيات الناس المختلفة لتخفيف الضغط عنهم وتأمين راحتهم من طلب أجرة معقولة إلى التفاني في حلّ المشاكل الضاغطة التي تؤرقهم، فمعاملة الناس فن وذوق وأخلاق، وكل حسب نواياه يجد، إذا كان شيئًا حسنًا أو سيئًا "همالة "وخلافها، فحسب نياتكم ترزقون.

مسرارة 2

القبضايات

كان العتالون إجمالًا أقوياء البنية مفتولي العضلات كالقبضايات، يخِفّون إلى عملهم بسرور، ويحملون الأشياء الثقيلة ويصعدون بها في بعض الأحيان طوابق عدة في عمارات عالية وبطريقة احترافية تدهش أصحاب هذه الأجهزة والأدوات، ويتعاملون بأخلاق الفتوات والقبضايات الخيرين ويتحاشون النظر إلى الحرام والممنوعات ولا يمدون أيديهم للحرام.

رقعة الباطون.. "عفوداه عرفيت"

عامل الطراشة والدّهان المقدسي المثقف من تجارب الحياة موسى حسين، أمضى قرابة 45 عامًا في هذه المهنة أو الصنعة، وخالط نفسيات من مختلف الطباع ولأنه يتقن عمله ويبدع فيه فقد عُهد إليه ذات مرة لحل مشكلة رقعة من الباطون في مدخل إحدى العمارت، وكانت دائمًا تنهار بعد وقت قصير من إصلاحها. فقام بتحريرها وتعبئتها بكمية مناسبة من الباطون ولكنها انهارت بهذه الطريقة مرتين. وهنا شعر بوجود سبب ما وراء انهيار هذه الرقعة في كل مرة، فعمل على الحفر فيها لمسافة أكبر حيث اكتشف وجود مجرى هواء يمتد لمسافة طويلة بشكل علوي وطولي هو الذي يسبب انهيارها لأنه يضغط عليها من الداخل، وإذا عُرف السبب بطل العجب. فسارع حينها إلى إحضار شفاطات هواء صغيرة وشبكها مع بعضها البعض في مجرى الهواء لتسريبه وتنفيسه من خلالها ومنع عملية الضغط لمنع انهيار الرقعة مجددًا وهو ما تم بالفعل، وهنا وقف أصحاب الورشة من اليهود مندهشين من ذكائه المهنيّ وبراعته في حلّ مشكلة عجز عنها مهندسون ومهنيون آخرون، ولم يعودوا متمسكين بعبارتهم المعهودة المستهلكة "عفوداه عرفيت" أو شغل عربي من الدرجة الثانية أو الثالثة "فلا بد من تشغيل البطيخة"، وأشار إلى رأسه كناية عن التفكير في المشكلة لمعرفة علّتها قبل إيجاد الحل المناسب لها.

عمال مصرارة كمان

هذه من تلك

ولأن عامل المياومة يواجه ثقافة مختلفة ومغايرة تنظر بدونية أحيانًا إلى ثقافة الشعوب العربية ومنها الشعب الفلسطيني بغالبيته، فلا بد أن يكون العامل سفيرًا لشعبه إذا كان منتميًا له، وحباه الله الوعي والثقافة، كما نرى في الحكاية التالية:

ذات مرة عمل حسين في منزل يهودي من أصل ألماني ذي ثقافة عالية، وكان صاحب المنزل متعاليًا ويحتقر ثقافة العرب والمسلمين، لدرجة أنه أحضر لعامل الطراشة كأسًا من النبيذ، فلما رفض العامل الفلسطيني تناوله اغتاظ الرجل وأحضر قطفًا من العنب وطلب منه أن يأكل منه، فأكل من العنب، وهنا استغرب وقال له بلهجة المنتصر "أنتم أيها العرب -ويقصد المسلمين- متخلفون كيف لا تشرب الخمرة في حين أنها من الكرمة، فهذه من تلك" فرد عليه العامل حسين "لدي الجواب على تساؤلك، ولكن أريدك أن تتحمّله لأنه جواب قاس. فقال الرجل أجب كما تشاء لا يهمني، فقال له العامل أريدك في هذه الليلة أن لا تبيت في فراشك مع زوجتك ولكن مع ابنتك فهذه من تلك، فجن جنون اليهودي لهذا الجواب، ولكنّه تمالك أعصابه وقال معترفًا بهزيمته "هذه ثلاجة المنزل، افعل ما بدا لك، اشرب وتناول من الطعام ما تشاء. أنا الآن احترم خياراتك وقناعاتك في الحياة. وفخور بإجابتك التي لم تكن تخطر لي على بال.

المعاملة فن وذوق وأخلاق

ويروي العامل حسين قصة أخرى وقعت مع يهوديّ متدين من الاشكناز في حي مئة شعاريم، حيث بدأ حديثه لحسين بطريقة متعجرفة، وبأن عليه دهن وطلاء أحد الأبواب وهو ما لم يكن ضمن الاتفاقية رغم أنه في قرارة نفسه كان يريد أن يدخله دون مقابل، ولكنه أراد أن يعّلمه درسًا في الأدب وفن التعامل بين الناس، فاشترط عليه مبلغًا مرتفعًا وأصر عليه حتى رضخ اليهودي بعد إلحاح زوجته عليه، وعندما أنهى العامل الورشة وعند الحساب وبعد أن استلم كامل المبلغ قرر إعادة المبلغ الإضافي الذي تقاضاه مقابل طلاء الباب المذكور. وقال لليهودي وزوجته كنت من الأساس أريد طلاءه مجانًا ولكن أسلوب زوجك الخشن في المعاملة هو الذي دفعني إلى طلب هذا المبلغ وها أنا أعيده لكما. فتأثر اليهودي وزوجته من هذا الموقف وشكراه، بل ووعداه أنهما سوف يوصيان به للعمل لدى معارفهما وأصدقائهما.

ويقول حسين إن العامل الفلسطيني يجب أن يكون قدوة حسنة لشعبه ودينه من خلال تصرفاته ومسلكياته، فلا يمد يده إلى شيء ليس له، وإذا وجد نقودًا يعيدها، وإذا أراد أن يدخّن فليخرج إلى "البلكونة" وأن يستخدم المنفضة وبعد أن ينتهي يلقي بمخلفاتها في سلة المهملات، وإذا أراد أن يجلس في الصالون فلا يجلس بثياب العمل، أو يضع شيئًا عازلًا حتى لا يتسبب باتساخ المقاعد، مبيّنًا أن هذه التصرفات تؤثر في الآخر وتجعله يغيّر نظرته السلبية تجاه ثقافتنا وتجاهنا كبشر وشعب صاحب حضارة راقية.

مصرارة 5

عبري عربي

"من رافق القوم 40 يومًا صار منهم" مثل يضرب في التأثّر والتأثير المتبادل للعادات والطباع بين البشر، وفي حالتنا هذه ينعكس في استخدام كلمات عبرية من جانب العمال العرب، وكلمات عربية من جانب أصحاب العمل من الإسرائيليين، مثل: "محسوم"/حاجز، "عفوداة"/ شغل، "ايشور"/ تصريح، "منهيل"/ مدير، "بسيدر"/ جيّد، "نكيون"/ تنظيف.

الحاج رشيد الرشق: ضحايا للنصب والاحتيال

كثير من عُمّال المياومة يتعرضون لحالات نصب واحتيال من أرباب العمل الإسرائيليين وبأسايب مختلفة، خصوصًا في حالة عدم وجود تصريح. وبعد أن ينهي العامل عمله المطلوب منه يتم ابتزازه إمّا بالتنازل كليًا أو جزئيًا عن حقوقه أو يتم تبليغ الشرطة عنه وتسليمه لها، وفي أحيان كثيرة يتركهم ربّ العمل ينجزون المهمة المطلوبة منهم ثم يختفي أو يتم "تخفيض" أجرتهم إلى النصف أو إلى ما دون ذلك، كما يتم تكليفهم بأعمال شاقة تفوق أحيانًا قدراتهم البدنية.

جمل المحامل قصة شعب

وتمثل لوحة "جمل المحامل" للفنان التشكيلي "سليمان منصور" رحلة الشعب الفلسطيني، وهو يحمل هوية مدينته المقدسة وقضيته فلا يتعب ولا يعرف الشكوى رغم قسوة أحواله وبشاعة ما يواجهه.

جمل المحامل كمان مرة

وتعرف اللوحة التي رسمها منصور عام (1973) وصنعت شهرته أيضًا، باسم "العتّال الفلسطيني"، ويقف فيها الحمّال المسن منحنيًا وهو يكافح لحفظ توازنه، حاملًا قبة الصخرة بتاريخها ورمزيتها وما تمثله من إرث الشعب الفلسطيني وتاريخه وعدالة قضيته في مواجهة المحتل.