كانت لدى العالم عقود من الزّمن ليوقف فيها الضمّ... فقط اسألوا الفلسطينيّين!

بقلم: حجاي إلعاد*

بالضّبط عشيّة الانتخابات التي جرت مؤخّرًا في إسرائيل تعهّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضمن حملته الانتخابيّة بضمّ أجزاء من الضفّة الغربيّة. فورًا في أعقاب ذلك انهمر طوفان من الاعتراضات والمناشدات الدوليّة. ولكنّ المرء لا يسعه إلا أن يتعجّب إزاء الفجوة القائمة بين أمرين: هرج ومرج كثير إزاء إعلان عن ضمّ قانونيّ مستقبليّ محتمل وتقاعُس كبير إزاء عقود من الخطوات أحاديّة الجانب قامت بها إسرائيل وفرضت من خلالها الأمر نفسه بالضبط بحُكم الأمر الواقع.

الضمّ الرّسميّ لأجزاء من الضفة الغربيّة لن يعرّي إسرائيل فجأة ويكشف حقيقة مراميها البعيدة بخصوص الأراضي كلّها الممتدّة غربيّ نهر الأردنّ. لقد سبق وأوضحت إسرائيل أهدافها من خلال أفعالها طيلة عقود. كذلك لن يدشّن هذا الضمّ حقبة جديدة من سلب الفلسطينيّين حقّ المشاركة السياسيّة فهؤلاء منذ زمن طويل يعيشون مجرّدين من الحقوق السياسيّة تحت وطأة قرارات تعسّفيّة يتّخذها إسرائيليّون.

على كلّ حال - هذه بعض العناوين الرّئيسيّة من الآونة الأخيرة. صحيفة "الإيكونوميست" دعت قائلة: "يجب على أمريكا أن تمنع بنيامين نتنياهو من ضمّ أراضٍ فلسطينيّة"... لأنّ "بعض تعهّداته الانتخابيّة سوف تقضي على فرصة حلّ الدولتين". وفي خطاب أمام البرلمان الأوروبي قالت فيديريكا موجيريني الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي/نائب الرئيس: "الواقع أنّ حلّ الدّولتين ليس فقط يتلاشى بل يجري تفكيكه قطعة تلو الأخرى". وهناك جماعات يهودية من التيّار السّائد ناشدت الرئيس ترامب أن يلجم رئيس الوزراء خشية من أنّ الضمّ قد "يحفّز حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (بي.دي.إس) في سعيها إلى عزل إسرائيل ونزع الشرعيّة عنها". حتّى الدّيمقراطيّون في "إيباك" حذّروا نتنياهو ألّا يفعلها مطلقين كليشيهات عفا عليها الزّمن من قبيل "لا يفوّت الفلسطينيّون فرصة لتفويت الفرصة".

أواه. ألم يلاحظوا أنّهم - بفضل تقاعُسهم المستديم وتقاعُس كثيرين غيرهم يناشدون ويحذّرون خشية من مستقبل قد صار ماضيًا منذ زمن؟

منذ عقود ولا يزال المجتمع الدوليّ هو الذي "لم يفوّت فرصة لأجل تفويت فرصة" إحداث فارق فعليّ وهو الذي طوى السّنين في قلق مزعوم مكتفيًا بالكلام دون القيام بأيّة خطوة فعليّة. والآن يساوره القلق مرّة أخرى "حفاظًا على الفرصة الأخيرة لحلّ الدّولتين". من الصّعب أن نتخيّل ما هو أكثر هزالة وضبابيّة وإبهامًا من هذه المصطلحات التي يؤطّرون بها المسألة.

لدى المجتمع الدّولي رغبة كبيرة في "التعبير عن قلقه" وبالقدر نفسه رغبة في ألّا يفعل شيئًا "للحفاظ على الفرصة الأخيرة" ناهيك عن تحقيقها على أرض الواقع. كلّ هذا الوقت الذي مرّ وكلّ هذه المستوطنات (أكثر من 250) والمستوطنون (أكثر من 600,000) كلّ هؤلاء القتلى والمشوّهون والجرحى الفلسطينيّون - وردّ الفعل الوحيد الذي يستحقّه كلّ ذلك هو "القلق"؟

القلق لن يعيد الحياة للأموات وهو أيضًا لن يخفّف الإهانات الكبيرة والصغيرة التي يُجبَر الفلسطينيّون على تحمّلها. القلق لن يعيد السّنوات الضّائعة التي أهدرت خلالها مواهب وإمكانيّات كبيرة ظلّت حبيسة خلف قضبان السّجن المسمّى قطاع غزّة وفي الضفّة الغربيّة المشرذمة. ولا هو يرفع عن الفلسطينيّين الخوف الناجم عن استباحة حياتهم المعرّضة - المعرّضة دائمًا - للعنف الإسرائيليّ.

كم فلسطينيًّا ينبغي أن يُقتل بعد أو يُجرح؟ وكم منزلًا فلسطينيًّا بعد ينبغي أن تهيله الجرّافات قبل أن يدركوا أنّ الكلمات التي لا تدعمها خطوات فعليّة لا نفع لها سوى الإشارة لإسرائيل أنّه يمكنها مواصلة ما تفعله؟

الإجابة على ذلك السؤال قد وصلت: وصلت إلى الفلسطينيّين على شكل جرّافات إسرائيليّة وإلى الإسرائيليّين على شكل مزيد من التقاعس الدوليّ.

الفلسطينيّون شعب ولهم حقوق. هم ليسوا أغراضًا صمّاء توزّع داخل معازل ("بانتوساتانات") بينما إسرائيل تظهر في استعراضات جوفاء كدولة "يهوديّة وديمقراطيّة". لو كان هنالك التزام صادق بالقيم الكونيّة لرأينا خطوات فعليّة تُتّخذ منذ زمن في مواجهة الانتهاكات اللّامتناهية لحقوق الإنسان وجميعها مثبتة وموثقة حتى الإشباع.

على ضوء هذا الوضع المستديم من ردود الفعل الخاوية هناك فرصة وحيدة لردّ حاسم على خطوة "الضمّ" الرسميّة تقوم بها إسرائيل ومكانها هو عواصم العالم. هناك يمكن أن تقلّص المساحة المتاحة لتكرار كليشيهات لفظت أنفاسها على يد سياسيّين يتقاعسون عن أيّ فعل.

بذلك تنشأ أخيرًا أمام الرأي العامّ العالميّ الفرصة لكي يقرّر. هل أنت موافق على العلاقة الحميمة التي تقيمها حكومتك مع النظام الإسرائيليّ؟ أم أنّ تواطؤ حكومتك في إدامة الظلم يثير فيك الغثيان؟

فقط نتنياهو يعلم إن كان قد حصل حقًّا على ضوء أخضر من ترامب للمضيّ في الضمّ. كثير من الجهد سيُبذل عبثًا في مناقشة هذه المسألة في الأشهر المقبلة أمامنا. ولكن ماذا لو لم يمض نتنياهو في الضمّ لأيّ سبب من الأسباب؟ عندها ماذا؟ هل هذا سيجعل واقع الفلسطينيّين مقبولًا ومعقولًا فجأة أو عادلًا؟

بغضّ النظر عن الضمّ - أعلنته إسرائيل أو لم تعلنه ما ينبغي علينا أن نركّز عليه هو ممارسات إسرائيل - ما قامت به وتقوم به حتى الآن. على أساس هذه الممارسات في حدّ ذاتها وبغضّ النظر عن أيّ شيء آخر يجب القيام بخطوات عالميّة عاجلة. لا حاجة لانتظار أن تعلن إسرائيل - أو لا تعلن - الضمّ. ملايين الفلسطينيّين في الواقع الحاليّ - مع إعلان الضمّ أو بدونه يعانون الاضطهاد وقسوة ظروف حياتهم اليوميّة. الفلسطينيّون الذين ينوءون تحت سيطرة إسرائيل سواء احتلّت أراضيهم "مؤقّتًا" أو ضمّتها جزئيًّا لا يحتاجون أن يكونوا خبراء في القانون لكي يدركوا أن مضطهدهم لا يعطي قيمة لحياتهم.

دعوا هذا القلق المزعوم جانبًا. بحقّ الإنسانيّة عليكم وأرونا أنّ لحياتهم قيمة في نظركم.

* مدير عامّ مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق

الإنسان في الأراضي المحتلة - "بتسيلم"