أنت المواطن.. أنت الملك

بقلم: د. سـائـد الكونـي

* رئيس ديوان رئيس الوزراء سابقاً

يُقال إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، وأقول أيضاً أن تكون مواطناً نعمةً لا يعلم قيمتها إلا المسؤول المخلص. بضع سنوات من العمل الحكومي العام، رافقتها صحبة عصافير الصباح الجميلة في الصحو مبكراً، والانطلاق قبل بزوغ الشمس إلى حيث صناعة القرار في رام الله -حيث المقر المؤقت- تجنباً لأزمة المرور الصباحية الخانقة ومنغصات الاحتلال الكثيرة ومفاجآته، ناهيك عن مناكفات ذوي القربى المرورية ومزاحماتهم وتجاوزاتهم وتذمراتهم، ومحرمٌ عليك أنت كل ذلك، كيف لا وينبغي عليك أن تكون المثل والقدوة ومن الكاظمين على الغيظ والعافين عن الناس، فأنت المسؤول وأنت الرقم "99" وقد يصح في ذلك بيت شعر أمير الشعراء "أحرامٌ على بلابله الدوح، حلالٌ للطير من كل جنس؟".

أن تكون مسؤولاً يعني أن تكون ملتزماً أخلاقياً وأدبياً بمواعيد الدوام الصباحية، فكيف لك أن تطلب من مساعديك وموظفيك ذلك، دون أن تكون أنت لهم المثال والقدوة. وتمر الساعات سريعاً ما بين دراسة التقارير، والقراءات، واللقاءات، والمكالمات، والمجاملات، والزيارات الميدانية، وغيرها الكثير الكثير من مهمات العمل وواجباته، ليُّذكرك استئذان أحد الموظفين بالمغادرة بانتهاء سويعات الدوام الرسمية، لتتابع بعدها مهامَ عمل أخرى كثيرة تكاد لا تنتهي، ويَجُنُّ عليك الليل وأنت غارق الفكر فيما لم يُنجز بعد، وهاتفٌ من المنزل يُذكرك بواجبات أسرية واجتماعية تنتظرك، ولكنها عندك ليست ذات أولوية، فما زال هنالك في مكانٍ ما يقبع مواطن صاحب حاجة يتطلع إليك ويتوسم فيك الخير، أو مُنظرٌ متربصٌ!

هي نعمةٌ كبيرةٌ أن تعود مواطناً، لا سائلاً ولا مسؤولاً، حراً مرة أخرى في أن تذهب إلى العمل أو أن تعتذر عنه بمبرر أو بغيره، أن تقابل آخرين على غير رغبةٍ منك وتجاملهم أو أن تتجنبهم، حراً في أن تجلس وراء شاشات جهاز حاسوبك، تقرأ وتستمتع أو تتسامر مع من ترغب من خلانك عبر الشبكة العنكبوتية، وأنت تلزم مجلسك تحتسي الشاي أو القهوة، ولك بكسبة زرٍ على لوحة مفاتيح جهازك أن تنتقد فلان أو تجامل فلان، فأنت المواطن.. أنت الملك.

أن تعود مواطناً، يعني أن تسترجع قدراً كبيراً من وقتك، لتمارس من جديد ما تخليت عنه من هوايات وعادات محببة تلبيةً منك لمتطلبات العمل العام وحفاظاً على صورته الذهنية في مُخيلة المواطن، دون اعتبار لمتربص أو متلصص، يعني أنت يصبح لديك وقت يكفي للإصغاء باهتمام لهموم واحتياجات أفراد أسرتك الصغيرة، ولتصل رحمك، وتطمئن على صحبك، وترتب كتبك وأوراق فكرك المبعثرة، وقبل كل هذا وذاك، أن تلتفت لشكاوى جسدك التي أهملتها طويلاً، وتتنبه لمتطلبات صحتك ونظام أكلك وشربك، وتأخذ بنصيحة طبيبك بأن تجري فحوصات طبية أجلتها مراراً بحجة أنشغالاتك وضيق وقتك.

حتماً، لا مناص ولا رغبة في التخلي عن مسؤوليات الوطن والمواطن، فهي عنوان الانتماء للقضية ورمزٌ للمواطنة الصالحة المسؤولة، وإنما الخير كله في تبادل الأدوار حتى تتلاقح الأفكار، وتُلتمس الأعذار، وتُبنى الثقة بين السائل والمسؤول.