ارتفاع حالات الانتحار في فلسطين والذكور هم الاكثر تنفيذاً

رام الله- "القدس" دوت كوم- اسلام كمال- ارتفع عدد حالات الانتحار في الضفة الغربية العام الماضي 2018 بنسبة 14%، مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث شهدت الضفة ما مجموعه 25 حالة انتحار.

ويوضح الناطق باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات، أنّ 15 مواطنا (ذكراً) انتحروا، أي ما نسبته 60% من مجمل الحالات المسجلة، و 10 إناث (40%) في الضفة الغربية عام 2018، علما ان العام الذي سبقه، 2017، كان شهد 22 حالة انتحار.

وتُظهر الاحصائيات التحليلية الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة الفلسطينية، أنّ عدد حالات الانتحار من فئة غير المتزوجين، من كلا الجنسين، بلغت 17 حالة (68% من حالات الانتحار المسجلة)، فيما بلغ عدد حالات الانتحار من فئة المتزوجين من كلا الجنسين 8 حالات (32%).

ووفقا للتوزيع العمري فقد جاءت أعلى نسبة للاشخاص الذين أقدموا على الانتحار ضمن الفئة العمرية ما بين 28- 25 عاما، وشكلت ما نسبته 32%، اما بخصوص المستوى التعليمي، فإن أعلى نسبة للاشخاص الذين أقدموا على الانتحار، جاءت ضمن فئة حملة الشهادة الثانوية حيث شكلت هذه الفئة 44% من الحالات المسجلة.

الدوافع والأسباب

وحسب العقيد ارزيقات، فان أحد أهم أسباب ودوافع الانتحار هو الاصابة بمرض نفسي، وعدم سعي ذوي الاشخاص المصابين بمثل هذه الأمراض لعلاجهم، حيث يقف هذا السبب وراء ما نسبته 40% من حالات الانتحار، فيما جاءت الخلافات العائلية في المستوى الثاني كدافع للانتحار، وبلغت نسبتها 32%. وفي المرتبة الثالثة جاءت الأوضاع المادية كسبب لما نسبته 12% من حالات الاقدام على الانتحار التي سجلت، ثم الأسباب العاطفية (4%)، والتعرض للابتزاز الذي كان سببا في الانتحار لما نسبته 4% من الحالات المسجلة.

التوزيع الجغرافي للانتحار

وأوضح العقيد ارزيقات أنّ التوزيع الجغرافي والسكاني للأشخاص الذين أقدموا على الانتحار تفاوت بين المدن والقرى والمخيمات، ولكن العدد الأكبر للأشخاص المنتحرين سجل بين سكان المدن، وبلغ 13 حالة (ما نسبته 52% من الحالات المسجلة). وحلت محافظة الخليل في المكان الاول من حيث عدد المنتحرين بـ 7حالات، تلتها محافظة قلقيلية بـ 5 حالات، في حين لم تسجل في محافظات طوباس وسلفيت وأريحا أي حالة انتحار.

وجاءت القرى في المرتبة الثانية، حيث بلغ عدد الحالات فيها 11 حالة انتحار او ما نسبته 44%، فيما سجل في المخيمات أقل عدد من الاشخاص المنتحرين حيث لم تسجل فيها سوى حالة وحيدة، او ما نسبته 4% من مجمل الحالات المسجلة.

واستخدم القسم الاكبر من المقدمين على الانتحار (76% منهم)، الحبل لانهاء حياتهم، تلاه السقوط او القفز من علو (12%)، ثم استخدام السموم والسلاح والادوات الحادة كوسائل لانهاء حياتهم.

الشروع بالانتحار:

وبالتوازي مع عمليات الانتحار التي انتهت بالوفاة، فقد تابعت الشرطة الفلسطينية من خلال إدارة حماية الاسرة والاحداث حالات الشروع بالانتحار او محاولات الانتحار، كتناول حبوب من الدواء أو احداث الجروح بالأطراف أو تعليق أنفسهم بنية الانتحار، دون ان ينتهي ذلك بالموت. وفي الغالب فان معظم هذه الحالات (محاولة الانتحار او الشروع به) كانت تنفذ من الاناث مقارنة بتلك المسجلة بين الذكور، حيث بينت الاحصائيات أن 218 شخصا حاولوا الانتحار (لذات الاسباب التي ذكرت سابقا) من بينهم 61 من الذكور و157 من الاناث.

مواجهة الانتحار

ولمواجهة عمليات الانتحار، او محاولات الانتحار، دعا ارزيقات المؤسسات المعنية الى تنظيم ورش عمل موسعة، والعمل على وضع الاسس الكفيلة بمواجهة ذلك، من خلال زيادة الوعي المجتمعي في كيفية التعامل مع من يعانون من امراض نفسية، ومساعدة الاسر في التغلب على هذه الاشكالات والامراض، وتلمس هموم المواطنين، وخاصة الاطفال منهم، وإبعادهم عن الافكار والالعاب الخطرة ومتابعة الافلام والمسلسلات التي تحوي على مشاهد عنيفة، وصقل شخصياتهم من خلال برامج وخطط مدروسة.

وعن واقع عمليات الانتحار في المجتمع الفلسطيني، وكيفية متابعتها من قبل الشرطة يقول ارزيقات، إن "الشرطة تتابع حالات الانتحار وتنظر لها بعين القلق والريبة، وتعمل بالشراكة مع العديد من الجهات لتقليص أعدادها، من خلال تلمس هموم الشباب، والوصول الى من يعانون من مشكلات قد تجعل البعض يقوم بقتل نفسه ".

أبو ريان: هناك مؤشرات قبل عملية الانتحار لا بد للأهل أن يتنبهوا لها

وتقول الاخصائية الاجتماية والنفسية، نهاية أبو ريان في حديث اجرته معها "القدس" دوت كوم، حول اسباب تزايد حالات الانتحار، ان "تراجع الظروف الحياتية واليومية تتسبب في الغالب بحالات احباط، ومن خلال تعاملي الدائم مع هذه الحالات انكشف لي مدى تردي الحالة النفسية في المجتمع الفلسطيني".

وتضيف "التعامل مع مواقع التواصل أفقد الشباب حياتهم الاجتماعية، كما زاد فقدان الشعور بالأمان، وتصاعد الشعور بالقهر والتحمل الزائد عن القدرة، وعدم قدرة الشباب على تحقيق ذاتهم والتخطيط لمستقبلهم، وانعدام الأفق، كلها مؤشرات للدخول في حالة إحباط طويلة. فهناك نماذج مكدسة للأحلام المهترئة في وطننا، فلا تشغيل ولا توظيف، وتواجد الخطر الدائم بسبب الاحتلال والوضع السياسي، مع فقدان الامل بالأفق السياسي، كل هذا ينعكس على الحالة الاجتماعية والنفسية، لأن السياسية والاقتصاد هي السبب الحقيقي وراء كل ذلك".

وتوضح أبو ريان أن مجتمعنا ما يزال غير مدرك لاهمية التعامل مع الطبيب والمرشد النفسي على الدوام فـ "نحن ما نزال نعاني من فكرة الوصمة في زيارة الطبيب النفسي، وما زالوا حتى الان يذهبون للشيوخ وقراءة الحجابات، والاعتقاد بالسحر والعمل والحسد كسبب لكل مشكلة ".

وتعلق أبو ريان على ما جاء في بيان الشرطة حول محاولات انتحار الفتيات التي تتعدى المحاولات بين الذكور وتقول: "من خلال ممارستي الميدانية لمهنتي واطلاعي على الكثير من الحالات، أستطيع القول أن أغلب مشاكل الفتيات التي تؤدي بهن للانتحار او لمحاولة الانتحار، "متصلة بضغط اجتماعي، او التعرض للابتزاز والتحرش أو للاعتداء. ومن شدة الخوف والضغط الاجتماعي، تقدم الفتاة على هكذا فعل. وهناك تفاقم كبير في هذه الحالات، خاصة في السنوات الأخيرة، فالمجتمع تراجع أخلاقيا بشكل كبير، ولم تعد هناك تلك القيم الأصيلة التي تردع الشباب والناس عن أذية بعضهم البعض، فمعظم قصص الفتيات التي أتعامل معها نابعة من فقدان الشعور بالأمان، وفي المجمل هناك غياب للشعور بالأمان في كل المجتمع الفلسطيني، وهناك نقص وفراغ، دون توفر البدائل لحياة أفضل".

ولكن ريان تستدرك وتقول موجهة حديثها للاهل: "حديثي هذا لا يعني ان مجتمعنا مُدمر، ولكن لا بد من الحديث عن المشكلة لمعالجتها، لذا أنصح الأُسر ممن لديها أطفال أو شباب بضرورة الانتباه لوجود علامات مسبقة او تصريحات قد تؤدي لعمليات انتحار من قبل الشخص.. لا تضعوا هذه الاشارات في سلة المهملات، هذه إشارات بحاجة للاهتمام والانتباه، فالشخص حين يضع هذه الاشارات بين ايديكم يكون بحاجة للاهتمام، وأهم شيء لبناء الصلابة النفسية في مواجهة مشاكل الحياة، هو الدفء والاهتمام والوقاية، والتربية الرادعة والناضجة لإبعادهم عن هذه الأفكار. وكذلك ضرورة ابلاغ الجهات المسؤولة والمختصة فوراً في حال تكرر الحديث عن هذا من قبل الشخص، ولا بد أن يكون هناك دور لمؤسساتنا الحكومية كذلك، حيث ان بناء المجتمع يقوم على شباب واعٍ، وعلى مصادر صحة نفسية جيدة، حتى يكون منتجا وقادرا على النهوض ببلده وتطويره وتحريره".

" س.ع " شربت مادة كيميائية في محاولة للانتحار

وتشكل الصدمة من بعض الاعتداءات سبباً للانتحار دون المواجهة، عند البعض، كما حدث مع المواطنة "س.ع"، وهي سيدة في الخمسين من عمرها، من سكان جنوب الضفة، متزوجة ولديها عائلة مكونة من سبعة افراد، كانت تعاني من مشاكل عائلية عديدة، ويعاملها معاملة سيئة، والاخطر انه حاول التحرش ببناتهما، الامر الذي وصل في احدى المرات ان أغلق الاب الباب عليه وعلى احدى بناته، فبدأت الام بالصراخ فسارع ابنهما للتدخل، وهدد والده بالقتل كي يجبره على فتح الباب وينقذ شقيقته.

وقادت تداعيات محاولة الاعتداء هذه "س.ع" لاحقا الى حبس نفسها في الحمام، وشرب مادة كيميائية (سائل التنظيف/ فلاش)، ما أدى إلى اصابتها بالإغماء، لكن ابناءها نقلوها إلى المستشفى، واجريت لها عملية غسيل معدة وتم انقاذ حياتها، لكن معاناتها من آثار تلك المادة ما تزال حتى الان، حيث تسببت المادة الكيمائية الحارقة بانكماش معدتها وأمعائها وتسلخ فمها وجوفها.

وقالت في اشارة لما مرت به من تجربة قاسية بانها سعت للتخلص من معاناتها التي انتهت بمعاناة اكبر لها ولابنائها وبناتها.

وتحت سطوة الثقافة والعادات المجتمعية السائدة، فان هذه الام والعائلة بقيت أسيرة الخوف من "الفضيحة" على مستقبل ابنائها وبناتها، ما اجبرها على تجرع ألمها بصمت والتكتم على ما جرى حيث لم تستطع طلب الطلاق بسبب خوفها من "الفضيحة وكلام الناس"، الذي قد يدمر مستقبل وسمعة بناتها، وآثرت البقاء مع عائلتها، ولكن اصبحت متيقظة طوال الوقت، وتخفي سكينا تحت مخدتها حين تنام ليلا، لمنع تكرار ما حدث وللتدخل اذا ما حاول الاب تكرار فعلته.