أبنائي العشرة القتلى خرجوا من الرماد وانكسرت الجرة

الأسير مروان البرغوثي للجنرال الإسرائيلي موفاز:

أبنائي العشرة القتلى خرجوا من الرماد وانكسرت الجرة

بقلم: عيسى قراقع

كشفت القناة العبرية يوم 2/4/2019 تصريحات للجنرال الإسرائيلي شاؤول موفاز بأنه أصدر تعليمات خلال الانتفاضة الثانية (2000-2004) لكل قائد ولواء في جيش الاحتلال بقتل10 فلسطينيين يومياً، هذا الجنرال الذي كان يشغل وزيراً للحرب في دولة الاحتلال، قاد عمليات اجتياح للمناطق الفلسطينية، طارد مروان البرغوثي ولاحقه وحاول أكثر من مرة اغتياله إلى ان تم اعتقاله واختطافه من مدينة رام الله يوم 15-4-2002 معتبراً حينها ان اعتقال مروان البرغوثي هو هدية عيد الاستقلال التي يقدمها الجيش للشعب اليهودي، وان اعتقاله ضربة قاتلة للانتفاضة، وفي نفس الوقت قال شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت انه يأسف لإلقاء القبض على البرغوثي حياً وكان يفضل ان يكون رماداً في جرّة.

تحالفت دولة الاحتلال بكل أجهزتها ضد مروان البرغوثي، المحققون، الحكومة، الجيش والقضاة، حاولوا كسر إرادته ورمزيته خلال استجوابه العنيف والقاسي على مدار مائة يوم في غرف التحقيق، وحاولوا تدميره نفسياُ بعزله انفرادياً لمدة ألف يوم متواصلات في زنزانة بائسة وموحشة، ولما يئسوا من ذلك اقتنعوا انه فلسطيني مائة بالمائة، وانه من النوع الذي لا يتراجع، فأصدروا عليه حكماً رادعاً وبلا رحمة، خمسة مؤبدات وأربعين عاماً، متوعداً المستشار القانوني للحكومة المدعو الياكيم روبنشتاين ان يبقى مروان في السجن حتى موته، فالسجن قد يؤدي ما عجز عنه صاروخ الاغتيال والقنبلة، وقد توهموا ان اعتقال البرغوثي يعني اعتقال الانتفاضة والمقاومة، ولهذا جاءت لائحة الاتهام خلال محاكمته طويلة، وكانت محاكمة سياسية لنضال الشعب الفلسطيني.

مرّ سبعة عشر عاماً على اعتقال مروان البرغوثي، لم يخمد الجسد ولم تتوقف تلك الروح عن الخفقان، شددوا الإجراءات والعقوبات وأجهزة المراقبة، فإذا بمروان البرغوثي يطلق عدة انتفاضات داخل السجون:

الانتفاضة الأولى:

التحدي والصمود خلال عملية التحقيق القاسية في سجون المسكوبية وبيت حتكفا والسجن السري ، وعدم قدرة جهاز الأمن الإسرائيلي على انتزاع أي اعتراف من مروان الذي قال: اقطع يدي ولا اكتب اعترافا، معتبرا نفسه في مهمة نضالية استشهادية، وان أي تراجع أمام الجلاد والمحتل القاتل والمستعمر سيكون قاسيا ومدمرا.

الانتفاضة الثانية:

رفض مروان البرغوثي التعاطي مع محكمة الاحتلال وعدم الاعتراف بشرعية هذه المحكمة رافضا الوقوف للقضاة وعدم التعاطي مع لائحة الاتهام الموجهة له قائلا: ان من يستحق ان يحاكم هم المحتلون القتلة وليس المناضلون ضد الاحتلال، وان محاكم الاحتلال يجب ان تقاطع لأنها تستخدم كقناع لإخفاء جرائم الاحتلال.

الانتفاضة الثالثة:

إضراب الحرية والكرامة بتاريخ 17/4/2017 في سبيل رفع سياسة الظلم والقمع والإذلال عن المعتقلين واحترام حقوقهم الإنسانية العادلة وإعادة الهيبة و الوحدة لصفوف الحركة الأسيرة.

الانتفاضة الرابعة:

انتفاضة ثقافية تعليمية واستبدال أرقام الأسرى الجامدة بأرقام جامعية، من خلال عملية التدريس الجامعي والثانوي التي قادها مروان وحولت السجون إلى أكاديميات خرّجت المئات من الأسرى.

الانتفاضة الخامسة:

انتفاضة الوعي، فرغم الجدران والأبواب المغلقة، تواصل مروان مع الصحافة والرأي العالم ومع كل فئات الشعب الفلسطيني، فأحدى مقالاته التي نشرت في صحيفة نيويورك تايمز في 16 نيسان 2017 موجهته للرأي العام الأمريكي أصابت دولة إسرائيل بالجنون، حالة استنفار في صفوف القادة الإسرائيليين، اعتبروا ان المقال له وقع عملية عسكرية ضد إسرائيل ولكن بطابع صحفي، ووزير الاستخبارات الإسرائيلي طالب بإعدام البرغوثي، ووصف وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي مقال البرغوثي بأنه عملية إرهابية إعلامية ضد إسرائيل، والإسرائيليون على مواقع التواصل الاجتماعي شككوا ان يكون مروان سجيناً، انه حرّ، وطالب المتطرفون الإسرائيليون ان يموت البرغوثي بالسجن فهو يحتاج إلى قبر.

انتفاضات لازال يشعلها البرغوثي داخل سجون الاحتلال، فهو لا ينظر إلى الحياة من منظور إنسان ميت وخارج الزمن كما يعتقد الإسرائيليون، أصبح له خبرة بالزمن، قادراً ان يحرك زمناً آخر متوازي ويجعل لتضحياته ومعاناته معنى، متعالياً على قدره، أنها مقدرة إنسانية متميزة تشعره انه مسؤول أمام الحياة والمستقبل.

الجنرال موفاز:

انا مروان حسيب البرغوثي، رغم مرور سبعة عشر عاماً على وجودي داخل السجن الإسرائيلي الذي أرسلتني إليه، فإن هذا السجن قد فشل في احتوائي والسيطرة عليّ وعزلي، انا أعيش في السجن لكن السجن لا يعيش فيّ، قلبي وروحي هناك مع شعبي، وأعلمك ان نظرية إعادة صياغة الأسرى وفق رؤيتك عبر صهر وعيهم وتحويلهم إلى مجرد (أشياء) مكتفيين بالحاجات الغريزية وبلا حقوق وكرامة إنسانية قد سقطت أمام وعي وصلابة الأسرى ودفاعهم عن هويتهم الوطنية ومكانتهم الشرعية كأسرى حرية.

خلال هذه الفترة الطويلة لم نذعن كأسرى أو نستسلم أمام منظومة القمع الإسرائيلية المتواصلة والتي تعاملت معنا كأننا لسنا من البشر، فالسجون المحاطة بالأسوار والحراسات المشددة ليست هادئة، أصواتنا أعلى، ورسالتنا الإنسانية أقوى من حملاتك الحربية والعسكرية ونياشينك التي حصلت عليها بسبب جرائمك في قتل الفلسطينيين.

الجنرال موفاز:

إذا كان اعتقالي عام 2002 هو أجمل هدية لدولة إسرائيل في ذكرى استقلالها وقيامها فوق نكباتنا ومعاناتنا، فأنني أقدم لشعبي الفلسطيني في ذكرى إحياء يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان هديتي وهدية الأسرى المتمثلة بـ 77 نطفة منوية حية خرجت من داخل السجون، صارت أولادا وبناتاً خرجوا من الظلام إلى النور، فكل خبرتك العسكرية وكل ترسانة دولة إسرائيل لم تمنع ثورة الحياة وسفراء الحرية من الولادة والانبعاث من رماد السجن، أنت تبني المعسكر ونحن نبني العائلة، أنت تحشو البنادق بالرصاص وتقتل الأولاد الصغار ونحن نحشو قلوبنا بالحب واليقين والإيمان والمستقبل، أنت تملك مفاتيح السجن والموت ونحن نملك مفاتيح الحياة.

أبنائي العشرة الذين قتلتهم وطالبت ان تقتل يومياً مثلهم خرجوا من الرماد وانكسرت الجرة، خلقوا وبعثوا من جديد، ها هي الأجيال تكبر وتتمرد وتنتفض وتفيق في غرف التحقيق، أنت تنتج القنابل ونحن ننتج الحب، أنت تنتج خطاب الكراهية والموت والعسكرة، ونحن ننتج خطاباً أخلاقيا إنسانيا، هدمنا السور الواقي، صنعنا الأمل العصي على المساومة والمقايضة.

الجنرال موفاز:

كل يوم في السجن يعلمنا ان نحب بلادنا أكثر، نعتني بأرواحنا أكثر، نتذوق الهواء بطريقة مختلفة، نكتب الشعر والأغاني ونخرج الماء من الرمل والحجر، وكل يوم في السجن يجعلنا نبحث عن شكل مفاتيح أبوابنا وان نمشط إنسانيتنا وكرامتنا بالرموش، ونطوق أعناق أحلامنا بأسماء الشهداء العائدين، وكل يوم في السجن يجعل دولتكم المحتلة اصغر واصغر، السجن أصبح أوسع من دولتكم، لأنني نملك الحرية الروحية، ولكنكم لا تملكون سوى الفساد السلطوي والتحول إلى دولة عنصرية فاشية بهيمية، يسودها خطاب الكراهية العنيف والتحريضي على الآخرين، انتم مقيدين ومسجونين في هواجسكم وأساطيركم المسلحة، صرتم دولة معسكرات وسجون وأجهزة امن بوليسية، دولة حولت جنودها إلى وحوش آدمية كما قالت إحدى المذيعات الإسرائيليات، لقد غرقتم في مستنقع الاحتلال و صارت تصرفاتكم شبيهة بتصرفات النازيين، متشابهين تماماً مع هؤلاء الذين هربتم منهم مبادين ومرعوبين.

انتم في دولة تقدس الحرب والقتل، لا ديمقراطية بها ولا مجتمع مدني، محشورين في كوابيسكم تتعاملون مع العالم كدولة بربرية، هذا هو السجن الحقيقي، احتلالكم لشعبنا حولكم إلى مسجونين وسجانين في آن واحد.

الجنرال موفاز:

لقد أعطيت تعليماتك بقتل 10 فلسطينيين يومياً خلال الانتفاضة الثانية، وتتفاخر بهذه الجرائم، لكن الآن القتلى العشرة خرجوا من الرماد وانكسرت الجرة، لهذا أنصحك وانصح دولتك بنصيحة شاعرنا الكبير سميح القاسم للغزاة الذين لا يقرأون الواقع:

ان لا تعدوا العشرة

أتقنوا المكائد المدبرة

وغازلوا قاذفة

وعاشروا مدمرة

خذوا دمي حبرا لكم

سمموا السنابل

هدموا المنازل

أطلقوا النار على فراشة السلام

وكسروا العظام

لا باس لو تصير مزهرية

عظامنا المكسرة

يوم الحساب فاتكم

وبعثرة أوقاتكم

أرقامها المبعثرة

لا لا تعدوا العشرة