"الباشوات" و"الأفنديّة" في حكومة اشتيّة!

رام الله - "القدس" دوت كوم - إبراهيم ملحم - لم يتسنَّ لنا حتى ساعة كتابة هذه المقالة معرفة المزيد عن السِّيَر الذاتية للوزراء الجدد الذين تسبح أسماؤهم في الفضاء الافتراضي، والذين من المنتظر أن يركبوا حافلة الحكومة الثامنة عشرة، التي ستنطلق مساء اليوم، بعد طول انتظار، بقيادة رجل الدولة في السياسة والاقتصاد الدكتور محمد اشتية، على طريق تكتظّ بالحفر والمطبّات والمنحدرات، ويضيق فيها مدى الرؤية الأفقية، بسبب الضباب الكثيف الذي يلفّ المنطقة.

بيد أن اللّافت من القراءة الأولى للتشكيلة الحكومية الجديدة، أنّها تأتي هذه المرّة من خارج صندوق العجب الذي ظلّ طيلة الحكومات المتعاقبة، مستودعًا للطّامحين والطّامعين من أصحاب الأنفس الأمّارة بالاستيزار، وذلك بتدوير مُمل، وبأداء مثير للرثاء والبكاء، لافتقاد العديد ممن يتم استخراجهم من الصندوق للخيال والكفاءة في إدارة وزارات باتت دفيئة للمزاجية والنرجسيّة والأحلام الصغيرة.

لقد ساد طيلة السنوات الماضية للأسف الشديد تقليد مقيت يرى بعدم أهلية أبناء الطّبقات الفقيرة في تبوّء المناصب العليا في الدولة كرؤساء الحكومات، والوزراء، وأعضاء السلك الدبلوماسي والقضائي، وهو تقليد أشاع غضبًا صامتًا بين الفئات المستهدفة التي كسرت أخيرًا تلك التقاليد باختيار رئيس حكومة ووزراء من الأفندية، الذين لم يسبق أن تبوّأ أحد من آبائهم ولا أجدادهم مناصب رفيعة في حقب سابقة، وهو ما سيضاعف من مسؤولياتهم في إظهار الكفاءة، وحسن الإدارة، وأن لا يصعّر أحد منهم خدّه للناس، أو يمشي على الأرض مرحا.

يذكر الكاتب الصحفي المصري الراحل مصطفى أمين في مذكراته أنه عندما ألّف سعد زغلول أول حكومة للثورة عام 1924، قدّم للملك فؤاد قائمة بأسماء وزرائه العشرة، فنبهه الملك إلى وجود خطأ في التشكيلة بقوله: إنه من التقاليد بأن يكون من بين الوزراء العشرة وزير قبطي واحد وتسعةُ مسلمين، بينما التشكيلة المقدّمة تضم قبطيين وثمانية مسلمين. فكان رد سعد زغلول على الملك بقوله: هذه ليست وزارة تقاليد إنها وزارة ثورة، فعندما نَفى الإنجليز زعماء الثورة إلى جزيرة سيشل، كانوا أربعة مسلمين وقبطيّين، وعندما حكم الإنجليز بالإعدام على زعماء الثورة كان من بين المحكومين أربعة مسلمين وثلاثة أقباط، وعندما كان الإنجليز يُطلقون الرصاص على الشّعب الثائر لم يراعوا النسبة بين الأقباط والمسلمين، فكيف أراعيها أنا اليوم؟

ويقول مصطفى أمين: إن ثورة 1919 لم تكن ثورة على الاحتلال البريطاني فقط، بل كانت ثورة اجتماعية أيضًا عندما كسر سعد زغلول التقاليد باعتباره أول من اختار الأفندية ليكونوا وزراء في حكومته، بعد أن كانت الوزارة في مصر مقصورة على "الباشوات"، إذ كان يباهي بأنه زعيم أصحاب الجلابيب الزرقاء، وقد أطلق على وزارته اسم وزارة الشعب. وكان الإنجليز قدّموا عرضًا لسعد زغلول الذي نُفي إلى عدن تمهيدًا لنفيه إلى جزيرة شيشل، تصوّروا أنه لا يوجد مصري واحد قادرًا على رفضه، كان العرض هو اعتلاء عرش مصر مقابل قبول بقاء الحماية البريطانية، لكنّ سعد قال قولته المشهورة: "أُفَضّل أن أكون فردًا في أمة مستقلة على أن أكون ملكًا في بلاد مستعبدة".

أعيد التذكير قبل ساعات من ذهاب السّادة الوزراء لأداء اليمين القانونية أمام السيد الرئيس عند الساعة السابعة من مساء اليوم، بإضافة العبارة التالية لليمين: "أقسم بأن لا أسمح بتدخل المدام في الشأن العام، وخاصة في التعيينات والترقيات والإقالات".

اسمحوا لي أن أطلّ عليكم من شُرفة هذه المساحة الحرّة مودّعًا المكان الأثير إلى قلبي، قبل أن أتشرّف بالانضمام إلى حكومة الدكتور محمد اشتية التي ستؤدي اليمين القانونية أمام سيادة الرئيس مساء اليوم.. وداعًا.