الفلسطينيون.. “عالم بدون مقاصة!”

بقلم: د.أحمد جميل عزم

يستمر الفلسطينيون، للشهر الثاني، برفض استلام عائدات الضرائب المستحقة لهم، والتي تعرف عادة باسم “المقاصة”، نوعاً من الاحتجاج على الاقتطاعات الإسرائيلية من هذه الأموال، وعلى المساس بقضية الأسرى وأسر الشهداء، والسؤال الذي يداهم الجميع، إلى متى ستستمر هذه القضية؟ وما تبعاتها، متى يشعر الشارع بثقلها؟ والواقع أنّ هذه الأسئلة يمكن أن يرافقها ويجب أن يلحقها أسئلة بعيدة المدى من نوع كيف يمكن أن يتغير الاقتصاد الفلسطيني إذا استمر الموضوع؟


أقرت فكرة المقاصة في الاتفاقيات الاقتصادية الإسرائيلية الفلسطينية، التي كان يجب أن تكون اتفاقيات مؤقتة، تنتهي وتستبدل في العام 1999، ومع تراجع المساعدات الدولية، ومحاولة القيادة الفلسطينية والحكومات، تقليص الاعتماد على الخارج، ازدادت أهمية الأموال المدفوعة في هذه المقاصة، التي هي عبارة عن ضرائب وجمارك تدفع على البضائع المستوردة لمناطق السلطة الفلسطينية، ويجبيها الاحتلال بموجب وجوده وسيطرته على الحدود، ويسلمها للسلطة الفلسطينية بعد اقتطاع أجرته، وباتت هذه الأموال هي مصدر الدخل الأساسي لتمويل الرواتب، ودفع فواتير النفقات العامة الفلسطينية.


كان هناك انتقادات وشعور بالانزعاج في أوساط سياسيين فلسطينيين، وخبراء، بأنّ معادلة المقاصة، تعني أن المسؤولين الماليين، بحكم ضغط فواتير النفقات الشهرية، مضطرون للعمل وفق حسابات مالية وليس اقتصادية. أي أن يكون العائد الشهري للمقاصة هو الأساس، وهذا يعني أنّ التعويل على بناء مشاريع اقتصادية تدر دخلا بعد سنوات، عبر ضرائب ورسوم داخلية تقدمها هذه المشاريع، كان أمرا فيه خطورة، أو ليس أولوية، لأنه يعني انتظارا لمشاريع قد تنجح وقد لا تنجح، كما أن جباية ضرائبها ورسومها أعقد من جباية الضرائب والجمارك التجارية. 
إذا توقفت أموال الواردات أن تكون مصدر دخل سريع للفلسطينيين، سواء باستمرار الاقتطاعات الإسرائيلية أو توقف الفلسطينيين عن التعاطي مع السياسات الإسرائيلية فإن التحول لمصادر دخل أخرى، بما فيها التعويل على مشاريع ذاتية، فلسطينية داخلية، منفصلة عن السوق والجمارك والضرائب الإسرائيلية سيصبح مصدرا أكثر أهمية مع الوقت. 
بعد اقتطاعات لسداد فواتير كالكهرباء والصحة والعلاج، يقوم بها الإسرائيليون دون الرجوع للفلسطينيين، أقروا “قانونا” يعاقب الفلسطينيين بخصم أموال يقولون إنها توازي ما تدفعه منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة، لعائلات الأسرى والشهداء، كنوع من الرعاية الاجتماعية، والاستحقاق الوطني، دون تمييز في الانتماء السياسي، وهنا بدأت الأزمة الأخيرة.


هناك سيناريوهات بأن القضية قد تحل قريباً، بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، وأن تؤدي مساعدات عربية لتعزيز صمود الفلسطينيين، وهناك مساعٍ ألا يقبل المجتمع الدولي بالسياسات الإسرائيلية، التي تقوم من خلال المقاصة، إضافة لسياسات أخرى مثل توسعة دور الإدارة المدنية الإسرائيلية، لإدارة الأراضي المحتلة العام 1967، بسحب أي دور للسلطة الفلسطينية تنموياً، وسياسياً، واقتصادياً، وإدارياً، وحصرها في الشق الأمني، بل وحتى بمجال محدد بالأمن الإسرائيلي، ودون ثقة أو تعويل على الأمن الفلسطيني، وإلا فما معنى الاجتياحات المتكررة لقلب المدن الفلسطينية، لتنفيذ اعتقالات؟.


بعد اجتياح مناطق (أ) عقب انتفاضة العام 2000، وتوسعة الإدارة المدنية (تَولى الاحتلال إدارة شؤون الفلسطينيين بضباط جيش إسرائيليين)، فإنّ المقاصة هي مظهر آخر للمزيد من ضرب فكرة السلطة الفلسطينية، والاستقلال، وموضوع مخصصات أسر الأسرى والشهداء، يأتي أيضاً في سياق ضرب مشروعية النضال الفلسطيني، من هنا فإنّ المعركة القائمة أكبر كثيراً من ملايين الدولارات التي يقتطعها الإسرائيليون. وفي ذات السياق فإن التهديدات الإسرائيلية بدفع أموال من المقاصة إلى قطاع غزة مباشرة (عملياً إلى حركة حماس) دون المرور بالرئاسة الفلسطينية، هي في ذات السياق ضرب فكرة السلطة الفلسطينية.


قد ينجح سيناريو ما بعد الانتخابات والتدخل الدولي، ويجري استئناف دفع واستلام المقاصة، وقد لا يتم هذا التصور، لكن السياسة الفلسطينية مطالبة الآن بوضع مخطط للمرحلة المقبلة، من ضمنها أمور عاجلة، مثل فرض حظر على البضائع الإسرائيلية ومنع بيعها في السوق الفلسطيني، بالتالي يبدأ الاقتصاد الإسرائيلي بالشعور بوطأة ما يحدث، ثم وضع خطط استثمار متوسطة وطويلة المدى تحد من الاعتماد على المقاصة عموماً، وكلّ ما يمر بالإسرائيليين، طبعاً مع أنّ أي حل فعلي لن يكون دون زوال الاحتلال.

عن "الغد الاردنية"