رغم إغراق الأسواق بالأحذية المستوردة.. الجودة حصن الحذاء الخليليّ

الخليل - "القدس" دوت كوم - جهاد القواسمي - ارتبطت صناعة الأحذية والجلود منذ عقود فلسطينيًا، بمدينة الخليل، وبات كافيًا أن يكون الحذاء من صنع الخليل حتى يحظى بثقة المستهلك في السوق الفلسطيني والأسواق المجاورة، لجودته ومتانته وطول عمره، وسعره المعتدل، وشعور الراحة الذي يحظى بها منتعل هذا الحذاء، لكن هذه الصناعة باتت اليوم تصارع لاستعادة عافيتها في ظلّ إغراق السوق ببضاعة مستوردة.

إغراق السوق

مرّ قطاع الأحذية بإشكاليات وعقبات أدت إلى تراجعه وتدهوره عبر السنوات السابقة، تمثلت كما يقول محمود القواسمي، صاحب مصنع أحذية، في الاحتلال الإسرائيلي الذي كان السبب الرئيس في تراجع هذه المهنة وتدهورها بالتضييق على أصحاب المصانع في استيراد المواد الخام وتصدير منتجاتهم، وفتح المجال لاستيراد الأحذية دون مواصفات، وإغراق السوق المحلي بالمستورد مع انعدام الرقابة الحكومية عليها.

وأضاف القواسمي، أن الجودة هي الحصن الأخير الذي تواجه به صناعة الأحذية بالخليل "الغزو" الصيني وعقبات الاحتلال، موضحًا أنه لولا ثبات وإصرار العاملين في هذا القطاع على الصمود والبقاء لكانت الأمور كارثية.

رخاء وثراء

وتدين الخليل وبعض عائلاتها بالرخاء والثراء إلى صناعة الأحذية التي اشتهرت بها تاريخيًا وأصبحت العلاقة بين هذه الصناعة والمدينة علاقة قديمة وقوية، حتى صار "الحذاء الخليلي" عنوانًا للجودة العالية والمتانة التي تخدم لسنوات طويلة، بفضل الجلد الطبيعي الذي يصنع منه، والتي حافظت المدينة على دباغته من جلود الأبقار والمواشي عبر عشر مدابغ.

0-3

وبين عبده إدريس، رئيس غرفة تجارة وصناعة الخليل، أن فضل هذه الصناعة على مدينة الخليل لا يمكن لأحد أن ينكره أو يتنكر له، فالكثير من أسباب ثراء ورخاء هذه المدينة يعود إلى هذه الصناعة وإلى ما كانت تدخله على أهالي المدينة، مشيرًا إلى أن ما يزيد عن ثلاثين ألف عامل وموظف في تسعينيات القرن الماضي كانوا يعملون في هذا القطاع، ونتيجة الاستيراد العشوائي أصبح يعمل ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف فقط.

وأضاف، أن صناعة الأحذية مهنة الكثير من أهل الخليل، استثمروا فيها ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، موضحًا أن قطاع الأحذية والجلود في الخليل مرّ بفترة ذهبية كانت مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولم تدم طويلاً لتبدأ مرحلة انحدار أوشكت على اندثارها واختفائها، من منتصف تسعينيات القرن الماضي مع بدء عملية الاستيراد المباشر وخصوصًا من الصين، ليتقلص عدد الشركات والمصانع إلى 200 منشأة فقط، كما انخفض إنتاج الأحذية من 10 مليون حذاء في السنة، إلى 3 مليون حذاء فقط.

خطط وآليات للنهوض

تنادى أصحاب المهنة والمهتمين في ظل حالة التدهور الذي عاشته صناعة الأحذية في الخليل لإنقاذ هذا القطاع من الموت، حيث عملت الغرفة التجارية على وضع هذا القطاع على سلم أولوياتها من خلال تقديم الدعم المعنوي والمادي وتنظيمه ومحاولة الحفاظ عليه، فاحتضنت مشروع التجمع العنقودي للصناعات الجلدية، منذ البداية في عام 2012، وقدّمت التسهيلات وكافة الأمور اللوجستية والفنية وكل ما يحتاجه هذا المشروع لتطوير هذه الصناعة.

0

وأوضح إدريس، أنه من خلال المشروع تم تأسيس أحد أهم مكونات دعم وتطوير هذا القطاع وهما، (مختبر لفحص جودة الأحذية، ومختبر آخر لتصميمها على الكمبيوتر وإخراجها بطريقة مبتكرة)، بالإضافة إلى دائرة معلومات تسويقية وتدريبية للعاملين، من خلال استقطاب عدد من الخبراء الدوليين في مجال التصميم والتسويق، الأمر الذي رفع من التقنيات والخبرات لدى هذه الشركات والمصانع، وكسر ثقافة العمل المنفرد ليصبح عدد كبير من مصانع الأحذية يعمل بشكل مشترك، وتدريجيًا بدأ القطاع يستعيد عافيته ويعود له بعض الزخم، حيث تم اعتماد قطاع الأحذية والجلود في الاستراتيجية الوطنية للتصدير، وأصبح الحذاء الخليلي يصدر إلى دول ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي وإفريقيا، دون الحاجة إلى قنوات التجار "الإسرائيليين" الذين كانوا يسرقون صناعتنا الوطنية بصنع في "إسرائيل"، مشيرًا أن الحذاء الخليلي يخرج للعالم وقد كتب عليه صنع في فلسطين".

استثمارات ضخمة

وقال محمد حسين، المدير التنفيذي للتجمع العنقودي لصناعة الجلود والأحذية، إن صناعة الأحذية تتمركز في مدينة الخليل، لافتًا أنها من الصناعات المشغلة للأيدي العاملة، وأن أي انتعاش يطرأ على هذه الصناعة يشكل انتعاشًا للاقتصاد المحلي ويتجاوزه إلى الاقتصاد الوطني الفلسطيني بشكل عام.

وأشار إلى أن ثلاثة أرباع الإنتاج يتم استهلاكه محليًا في الضفة والقدس وقطاع غزة، أما البقية فيتم تصديره إلى الأسواق المجاورة والأردن، موضحًا أن حصة الصناعة الوطنية من السوق المحلي ما زالت ضعيفة نتيجة فتح الأسواق الفلسطينية أمام المنتجات المستوردة، وعدم وجود تشريعات وقرارات فعالة تحمي المنتج المحلي.

وأوضح حسين، أن انفتاح الأسواق وتدفق البضائع الصينية متدنية الجودة ومتدنية الأسعار ألحق ضررًا كبيرًا بهذه الصناعة وجعل الأسواق تغرق، والمستهلك اتجه إلى هذه البضائع ولكنه تعلم الدرس بالطريق الصعب.

وأضاف أنه ولغاية تطوير هذه الصناعة ودعمها في الأسواق، تم تأسيس تجمّع "شغل الخليل" لدعم وتطوير هذه الصناعة وربط المنتجين بالأسواق الخارجية لتصدير منتجاتهم من خلال التجمع العنقودي لصناعة الأحذية والجلود، موضحًا أن تجمع صناعة الأحذية والجلود بدأ بـ 18 عضوًا أساسيًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الخليل، ومنذ ذلك الحين توسّع التجمّع ليشمل أكثر من 80 عضوًا مع تمثيل شامل لسلسة الإنتاج بأكملها من المدابغ وموردي مستلزمات الأحذية والمصممين وصناع القوالب وصناع النعل وصناع الأحذية وتجار التجزئة.

متجر شغل الخليل

وأشار، أن التجمع عمل على فتح متجر شغل الخليل للأحذية، موضحًا أن في هذا المتجر يلتقي المصنع والمستهلك الفلسطيني وجهًا لوجه دون وسطاء، وتحت مظلة التجمع العنقودي للصناعات الجلدية واتحاد الصناعات الجلدية الفلسطينية وبدعم من غرفة صناعة وتجارة الخليل، وسيحوي منتجات متنوعة من الأحذية المصنوعة في مصانع ومشاغل وشركات صناعة الأحذية في مدينة الخليل ذات الشهرة العالمية، مؤكدًا أن متجر شغل الخليل للأحذية انتظره المستهلك الفلسطيني بلهفة وشوق، حيث وفّر عليه تعب البحث عن منتجه المحلي، موضحًا أن تميّز المتجر هو الوصول إلى المستهلك مباشرة وتوفير منتجات متميزة له في مشروع يحمل صفة التسوق الآمن، حيث لن تتعرض فيه لأي غش أو خداع ولن يباع فيه أي منتج صيني على أنه شغل الخليل، وسيكون من المصنع إلى المستهلك، مؤكدًا أن شعار التجمع العنقودي واتحاد الصناعات الجلدية "وداعًا للأحذية الصينية".

بداية الحلم

وبين أنه يحلم برؤية المتجر منتشرًا في كل مدينة فلسطينية يحمل اسم "شغل الخليل" أو شغل فلسطين، بحيث يكون هو العنوان لكل راغب بشراء المنتج المحلي ولكل مقتنع بفكرة دعم الصناعة الوطني، مطالبًا المستهلك الفلسطيني بضرورة الإقبال على المنتج الوطني وإعطائه الأولوية، لافتًا إلى أنه كان يجرحه السؤال المكرر، أين نجد منتجكم؟ وكيف نحصل عليه ونضمن أنه صناعتكم؟ وهل لديكم عنوان؟ فتم التعاقد مع شركة متخصصة لفهم رغبات وسلوك المستهلك الفلسطيني، فكان أن الغالبية العظمى تطالب بتوفير هذا المنتج في عنوان واضح بحيث يضمن المستهلك أنه سيحصل على المنتج المحلي دون تعب أو دون أن يتم خداعة من قبل فئة قليلة يمكن أن توهمه أن المنتج الصيني هو من شغل الخليل.

وأوضح أن البداية من الخليل، وسيصبح هذا المتجر سلسلة متاجر في كل فلسطين، مؤكدًا أن المصنع الفلسطيني والمستهلك الفلسطيني سيلتقيان وجهًا لوجه دون وسطاء، لأنهم أصلًا شركاء، وشراء المنتج الوطني يعني خلق فرص لشباب فلسطيني وهذه ميزة إضافية تغري بالتسوّق من هذا المتجر ومن مثيلاته من المتاجر التي لا تبيع إلا منتجات فلسطينية.

كفالة

وأكد حسين، أن التجمع العنقودي يكفل هذه الصناعة الفلسطينية على أعلى مستوى، ويلتزم بكفالة أقلها أربعة أشهر وتصل إلى سنة كاملة، مع إعفاء المستهلك من البحث والعناء وحمايته من أي غش أو تدليس، وبيعه بسعر الجملة، مع توفير كافة حاجيات الأسرة دون أن يشتم رائحة الكيماويات التي زكمت الأنوف من الأحذية الصينية، ولن يعاني الأطفال من فطريات وأمراض جلدية ولا من مشاكل القدمين والعمود الفقري، والأهم خلق فرص عمل لأبناء البلد، مؤكدًا أن شغل الخليل ينافس معظم المنتجات المتوفرة بالأسواق، إلا أن إغراق هذه الأسواق بالأحذية المستوردة من الخارج أضر بهذه الصناعة.

السوق الإلكتروني

ولإيصال المصنوعات الجلدية الخليلية إلى كل بيت فلسطيني في كافة محافظات الضفة وقطاع غزة، وبهدف زيادة حصة البيع منها، إضافة لدعم المنتج الوطني والصناعة المحلية والتحرر من المستورد تم إنشاء السوق الالكتروني، بالتعاون مع أصحاب مصانع الأحذية.

0-1

وقال حسام الزغل، رئيس اتحاد الصناعات الجلدية، إن التسويق الإلكتروني مهم جدًا لقطاع الأحذية في فلسطين، مشيرًا أنه أصبح يشكل جزءًا من الحصة السوقية لقطاع الأحذية لسهولة التوصيل إلى كل بيت فلسطيني.

وأضاف، أن فكرة السوق الالكتروني بدأت من خلال تعاون اتحاد الصناعات الجلدية مع شركة خاصة بالتسويق الالكتروني، حيث تم العرض على مجموعة من الشركات والمصانع المنتجة، ولاقت إقبالًا كبيرًا جدًا، حيث تقوم شركة التسويق بتصوير العينات وعرضها مباشرة "أون لاين"، ويقوم المشتري بطلب الحذاء الذي يرغب به، عبر الصفحة الالكترونية بطريقة سهلة جدًا، توفر عليه معاناة وجهد كبيرين، ويتم الدفع عند التوصيل والاستلام.

Untitled-2 copy

وأشار الزغل، أن الغرض من هذه الفكرة تخطي مروجي البضائع المستورة والوصول إلى المستهلك الذي يرغب في شراء الأحذية المحلية وتعويض الخسائر التي تلقاها أصحاب المصانع على مدار سنوات سابقة نتيجة غزو المستورد للأسواق المحلية، مبينًا أن نسبة الاستيراد في مهنة صناعة الأحذية تعادل 70%، وأن نسبة المنتج الوطني تساوي 10% فقط، وهذا ولّد شعورًا بالإحباط لدى أصحاب المهنة بسب إغراق السوق ببضاعة الاستيراد غير الجيدة، الذين اشتكوا من تراجع ملحوظ في حجم مبيعاتهم، وقلص من حجم الاستثمارات بذلك القطاع نحو 150 مليون دولار، لافتًا إلى أن عدد المنشآت الصناعية الجلدية نحو 1000 منشأة في السابق وكانت تشغل أكثر من 35 ألف عامل، ولكنها تقلصت لنحو 100 منشأة مسجلة لدى الاتحاد و150 غير مسجلة، تعمل بعشرين بالمائة من مجمل الطاقة الإنتاجية.

وأكد حسام الزغل أن ملايين أزواج الأحذية تستورد سنويًا من الخارج، الأمر الذي أثّر ويؤثّر سلبًا على التجار وأصحاب المصانع، وأرهق السوق المحلي بالأحذية المستوردة مقابل القليل منها ذات الصنع المحلي، ما كان السبب الرئيسي وراء تراجع إنتاجية مصانع الأحذية في الخليل وانخفاض بيعها في الأسواق المحلية.

وناشد الزغل، أصحاب مهنة صناعة الأحذية تطوير وتحسين مستوى الإنتاج حتى تنافس بضاعتهم البضائع المستوردة، مطالبًا الحكومة بالعمل الجاد والأمين على تشجيع المنتج الوطني من خلال التطبيق العادل للقوانين التي تقلل من عملية الاستيراد من خلال فرض الضرائب المسموح بها على البضائع المستوردة، مناشدًا المواطنين بالتوجه لشراء البضاعة الوطنية دعمًا لهذا القطاع، مؤكدًا أن الاتحاد وضع علامات وآليات لضمان أن الأحذية محليّة الصنع وعدم اختلاطها بالمستورد الضعيف الجودة.