قبر يوسف في نابلس.. حكايةُ قبرٍ فُتحت بسببه قبور

نابلس - "القدس" دوت كوم - حياة دوابشة/ الرواد للصحافة والاعلام- لا يزال قبر يوسف في مدينة نابلس يحتل مكانا هاما في الذاكرة الوطنية وذاكرة المدينة كواحد من أبرز نقاط التماس التي خطفت العشرات من أبنائها شهداء وجرحى، على مدار نصف قرن منذ احتلال المدينة، بعد أن ظل لعشرات السنين قبلها مكانا يلجأ إليه الباحثون عن السكينة والطمأنينة.

فبعد عام 1967 وقع انقلاب تاريخي لمنطقة قبر يوسف الواقع في منطقة بلاطة البلد، شرقي مدينة نابلس، حين ألقى الاحتلال سيطرته على القبر، وأصبح موطئ قدمٍ للمستوطنين وطقوسهم هناك بدعوى أنه قبر النبي يوسف ابن يعقوب عليهما السلام، وفرضت صبغةٌ جديدة على المكان.

وتوالت التغييرات التي قلبت تاريخه، ففي عام 1986 أعلن الاحتلال عن إقامة مدرسة دينية لتدريس التوراة هناك، ومع حلول العام 1990 تحول المكان لبؤرة استيطانية بالكامل.

دويكات: المقام اسلامي

بالنسبة للفلسطيني، فإن ما يعرف بقبر يوسف هو مقام يتكون من ثلاثة أروقة ومدخل يتوسطه درج، ويتخذ في بنائه طابع الأبنية الأموية الإسلامية، ويقع وسط المنطقة (أ).

ويؤمن أبناء المكان في نابلس أن المقام سلمت مفاتيحه وملكيته لأجداد الحاج أبو فتحي الأخرس، عبر وثيقة عثمانية لا زالت موجودة في المدينة تؤكد حقهم في المقام وحقيقة تاريخه.

ويروي ابن المنطقة، رجل الاصلاح الشيخ مازن دويكات، ملامح التاريخ تسلسلياً والتي يحفظها في ذاكرته للمقام، ويقول: "كان أهل المنطقة حين يتم التحضير لعرس قديماً يقيمون زفة العريس من الديوان في المنطقة وتنتهي عند مقام يوسف".

ويضيف: "كانوا يدبكون هناك في الساحات العامة القريبة ثم يعودون للديوان رجالاً ونساء".

كذلك فإن أهالي مدينة نابلس كانوا يأتون في أيام الجمعة والسبت لقراءة طقوس المولد، ويأتون هناك للتنزه ويحضرون طعامهم أيضاً، كما يقول دويكات، ويضيف: "كان هناك مدرسة نتلقى فيها العلوم كان فيها صفان في المرحلة الأساسية".

ويتذكر الشيخ دويكات دراسته في الصف الرابع هناك قبل أن تتحول المنطقة لشيءٍ آخر، ويضيف: "كان المقام أيضاً بمثابة المسجد كان يأتي إليه الناس والمارون من الطريق للصلاة، ونحن نؤمن بأنه مقام لولي صالح وهذا هو الثابت، والمتضارب هو الرواية التي تقول أنه قبر النبي يوسف عليه السلام، لأننا نعلم أن قبر النبي يوسف مختلف حول مكان تواجده، ومثلاً لم لا تعط الأهمية ذاتها لمقامات أخرى في فلسطين؟".

ويرى دويكات أن الاحتلال يتعمد إضفاء الصبغة الدينية لأي معلم فلسطيني من أجل الاستيلاء عليه لاحقاً، ويوضح ذلك فيقول: "كل الأسماء التي يطلقها الاحتلال على الأشياء والأمكان توراتية دينية، ليثبتوا وجودهم عن طريق الدين، فأي مكان يودون السيطرة عليه يضفون عليه الطابع الديني فقط".

دينياً، وحسب تأكيد الشيخ دويكات، لم يثبت معرفة أماكن وجود سوى قبرين هما قبر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام والنبي إبراهيم عليه السلام، وأيضاً هناك اختلاف كبير على حقيقة قبر إبراهيم عليه السلام، والمسلم يعتبر أضرحة الأنبياء أماكن ليست ذات أهمية قصوى؛ لأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".

ويقول دويكات: "نحن نعتبر النبي بشر، وهذا البشر لا نقدسه أو نعبده، نحن نحترمه ونؤمن برسالته وهذه هي مهمتنا، أما التقديس والتعظيم هو لله وحده".

ويشير دويكات إلى أنه وعقب إصدار فتوى بتحريم زيارة الأضرحة تركت هذه الأماكن خالية، ما مهد استيلاء الاحتلال على المقام وتحويله لأماكن خاصة به وبطقوسه.

ويقول دويكات: "الثابت وما نؤمن به هو وجود رجل صالح مدفون هناك يُدعى يوسف دويكات".

تزوير للتاريخ

ورغم أن المقام يحمل الطابع المعماري الأموي الإسلامي البحت، الا ان الرواية اليهودية تنسب القبر للنبي يوسف.

وتقول تلك الرواية أن عظام النبي يوسف أحضرت من مصر ودفنت في نابلس، لكن خبراء التاريخ يقولون بأن عمر المكان التاريخي لا يصل لهذه القرون التي يتحدث عنها الاعتقاد اليهودي، كما أن المعتقد الديني يعلم أن أجساد الأنبياء لا تبلى فكيف طلب سيدنا يوسف أن تنقل عظامه بعد تحنيطها لفلسطين.

وفي حديثه يلفت الشيخ دويكات أيضاً إلى أن من يزور منطقة المقام يرى الطابع الديني الاسلامي الذي يتسم به من الناحية المعمارية، فالقبة والمحراب وشكل الجدران والحجارة والتصميم الأموي الإسلامي والعمر الزماني للمكان ومشابهته للمقامات الإسلامية في بنائه.

وتأكيداً لذلك تقول الدراسات التاريخية ان عمر المقام لا يتعدى ال 250 عاماً، وهذا لا يعود لفترة حياة النبي يوسف عليه السلام قبل أكثر من 3000 سنة.

بالنسبة للطائفة السامرية في مدينة نابلس، فهي تؤمن كذلك بحقيقة قبر يوسف، وهناك مخطوطة تروي أن النبي يوسف دفن في مكان بين عسكر وبلاطة مقابل الجبل المقدس باعتقاداتهم، وتؤمن الطائفة أنه المحل الذي اشتراه النبي يعقوب وبدأت طقوسهم هناك، وكان قبر النبي يوسف مجاوراً للمكان.

أحد أفراد الطائفة السامرية، الأستاذ إسحاق السامري أوضح في حديثٍ خاص بأن زيارات أفراد الطائفة للقبر لم تعد كما كانت، ويقول: "نحن نؤمن في معتقداتنا بأن هذا هو قبر يوسف، وكنا من قبل نزوره بانتظام، كنا نذهب لندعو هناك ونصلي ونشعر بالقبول، لكن بعد بدء دخول المستوطنين للقبر قلت زيارتنا تدريجياً".

يتحدث السامري حول الآثار التاريخية التي تغيرت بعد اقتحامات المستوطنين، ويقول: "لم تعد زيارتنا للقبر كما كانت من قبل بسبب تغير اتجاه القبر، فقبل دخول المستوطنين كان يتجه نحو جبل جرزيم، أما الآن فقد اختلف اتجاهه، وأصبحنا نخشى حدوث النعرة السياسية عند زيارته، فزيارات المستوطنين للمكان استفزازية وتحمل طابع النعرة السياسية لا الإيمانية، ولذلك أصبحنا نقلل من زيارتنا للقبر".

شهداء في حضرة المقام

وعلى الدوام كان قبر يوسف بؤرة احتكاك ونقطة تماس بين الاحتلال والمواطنين، لا سيما لوقوعه في منطقة تجمع لعدد من المدارس في شارع عمان، حيث كان يشهد في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات مواجهات شبه يومية بين طلبة المدارس وقوات الاحتلال.

ولم يتغير الحال كثيرا مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وتسلمها مدينة نابلس في العام 1995، وظل كمسمار جحا الذي يتخذ منه الاسرائيليون مبررا لبقاء تواجدهم وسط المدينة، حيث حدد اتفاق اوسلو منطقة قبر يوسف والطريق المؤدية اليه كمنطقة C واستمر الاحتلال بالسيطرة على القبر، ما جعله نقطة تماس ساخنة مع كل مواجهة مع الاحتلال.

ففيما عرف ب"هبّة النفق" عام 1996، شهد محيط قبر يوسف اشتباكات مسلحة أوقعت شهيدين وعشرات الجرحى بالاضافة مقتل سبعة جنود إسرائيليين.

ومع اندلاع انتفاضة الاقصى في العام 2000، شهد محيط قبر يوسف أعنف المواجهات، واستشهد ستة مواطنين، كما قتل أحد الجنود الاسرائيليين، وأحرق الشبان الغاضبون المعهد التوراتي ودمروا أجزاء منه، وكانت تلك الاحداث سببا في إنهاء التواجد الاسرائيلي اليومي بالمكان.

ومنذ العام 2007، وبعد تحسن التنسيق الامني مع السلطة الفلسطينية، سمحت قوات الاحتلال للمستوطنين بزيارات ليلية للقبر، مرة في الشهر.

وفي العام 2011 دخلت مركبات المستوطنين للمقام بغتة ودون تنسيق مسبق، فقتل أحدهم وأصيب آخرون، برصاص أفراد الأمن الفلسطيني، ومنذ ذلك الحين فرضت قوات الاحتلال إجراءات احتياطية وحراسات مشددة على المستوطنين عند دخولهم للقبر.

وتتولى تنظيم اقتحامات المستوطنين للقبر جمعية استشطانية تتبع المجلس الاقليمي للاستيطاني في شمال الضفة، ويتم الاقتحام بحراسة أمنية مشددة من الجيش، حيث يسبق دخول المستوطنين دخول قوة كبيرة من الجيش، تنتشر في محيط القبر والشوارع المحيطة به.

وفي العام 2017 استشهد الشاب جمال محمد دويكات (20 عاماً) خلال مواجهات بين الشبان وجنود الاحتلال أثناء أحد اقتحامات المستوطنين للمنطقة.

ولم تجف بعد دماء الشهيدين الشابين رائد هاشم حمدان (21 عاماً) وزيد عماد النوري (20عاماً) بعد أن مرت على جسديهما جرافة الاحتلال وارتقيا شهيدين على الفور اثناء اقتحام قوات الاحتلال لمنطقة قبر يوسف أواخر الشهر الماضي، تمهيدا لدخول المستوطنين.

آثار الاقتحامات

وتمثل ليلة اقتحام المستوطنين لقبر يوسف حدثا استثنائيا يتطلب من سكان المنطقة الشرقية الاستعداد له واتخذا الاحتياطات والتدابير التي تقلل من خسائرهم.

ويعلم سكان المنطقة ماذا يجب أن يفعلوا حين تحدث اقتحامات المستوطنين، فلا يخرجون من بيوتهم مخافة رصاصة طائشة من جنود ينتشرون على الأسطح أو من قناصة، وتجنبا لاستنشاق الغاز المسيل للدموع.

ورغم ذلك فإن حياة سكان تلك المنطقة لا تكفيها كلمة "عذاب" فقط لتصف واقعها، وهو ما تؤكد عليه ابنة المنطقة والمتواجدة في الميدان الصحفية نسرين الشامي.

تقول الشامي ان الحياة في تلك المنطقة وعرة لا بشكلها الجغرافي، بل بتفاصيل ليالي الاقتحام على الأطفال مثلاً، فبسبب أصوات المواجهات ورائحة الكوشوك والغاز المسيل وأصوات الرصاص الحي والمطاطي ودوي الإسعافات، لا ينام الأطفال، وصباحاً من سهر منهم حتى الساعة السابعة لحماية عائلته لا يستطيع أن يمارس عمله بصورة طبيعية.

وتروي الشامي جملةً من آثار الانتهاكات والتجارب الشخصية التي مرت بها في أعقاب اقتحامات المستوطنين لقبر يوسف.

وتقول: "أطفالي يخافون من هذه الأوضاع كثيراً، أنا لدي طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة أقلق عليه، جارتي مثلاً تعاني من أزمة تنفس، وكميات الغاز التي يتم إطلاقها خلال المواجهات ورائحة الكوشوك تؤثر عليها، ولاحقاً نحتاج لأسابيع لتنظيف آثار الاقتحام في الشارع حتى يبدأ اقتحام آخر، وهكذا تمضي حياتنا".

العمل الصحفي ليس إطاراً يمكن أن يحمي الشامي بوصفها صحفية خلال الاقتحامات، وتقول: "حتى لو علم جنود الاحتلال أنك صحفية سيأمرونك أن تدخلي البيت وإلا فأنت مهددة بالاعتقال أو بإطلاق الرصاص، وحدث ذلك لي، فقد أصبت خلال اقتحامات المنطقة أكثر من مرة، وكذلك أصيب ابني مرة في رأسه وكان في البيت، ولم يكن في المواجهات حتى".

مشهد سقوط يامن الشامي على شرفة منزله جراء إصابته بالرصاص المطاطي في رأسه لا زال هو الأسوأ بالنسبة لأمه.

يامن كان سينزل أصص الزهور أرضاً عن الشرفة حين أطلق جندي رصاصة مطاطية فاصابه برأسه، وانتشلته أمه من دمائه التي غرق فيها وحملته وهو الذي يماثلها في الطول وأصبح شاباً، ولم تدر كيف أسعفتها قدماها لتصل به إلى رجال الإسعاف الذين تكفلوا بنقله إلى مستشفى رفيديا.

وأصيبت الشامي برصاص مطاطي في قدمها أيضاً، ومنذ ذلك الوقت لم تعد تغطي ما يحدث إلا من شرفة منزلها، وتقول: "ذهبت ميدانيا لمواجهات حوارة وكفر قدوم لكن هنا أمام العمارة التي أسكن، الأمر مختلف ولا يتعلق بي وحدي، وأنا لا خاف على نفسي فقط، انما أخاف على أطفالي وحياتهم هنا وحياة الجميع أيضاً".

لا يزال حدث مباغتة الاحتلال للصحفية الشامي في كمين لها ولزميلٍ لها أثناء التغطية على مفترق بلاطة حاضراً في بالها حين تعقبها 20 مجندا وحين ذهبت ركضاً من مكان الحفرية لشارع القدس، ثم لقبر يوسف بعد إبلاغها بانسحاب المستوطنين وتأكيد جهاز الشرطة هناك.

وتقول: "حين عدنا لمكان منزلي بشارع عمان ووجدناهم هناك وتقدمت رغم التهديد لحاجتي للعودة للمنزل والاطمئنان على أطفالي، ورفضت أن يفتشوني وقتها رغم أنهم يعلمون أني صحفية ورأوا الكاميرا في يدي، وبعد صراع مررت من المكان".

لن يزاح مشهد أحد الشهداء الذين ارتقوا مؤخراً من ذاكرة الشامي وهي ترقبه بكاميراتها وترقب شجاعته، وتقول: "لم أصدق حين علمت نبأ استشهاده، قلت لهم قبل قليل صورته وحين رأيت الصور التي نشرت لهويته، كان مقدراً أن تلتقطه كاميرتي، لا أحد يعلم فعلياً ما نعانيه ونعيشه هنا".