"سوق البازار" معلم يحافظ على الطابع التراثي الفلسطيني للقدس

القدس – "القدس" دوت كوم - زكي أبو الحلاوة - امتازت مدينة القدس بعدة أسواق ورد ذكر بعضها مبكرًا عند بعض الرحالة والمؤرخين، فقد أخبر ناصر خسرو في وصفه لبيت المقدس أن بها أسواقًا جميلة وأبنية عالية، وأن في المدينة صنّاعًا كثيرين، لكل جماعة منهم سوق خاصة، والواقع أن أسواق القدس قديمة لكنها متجددة نظرًا لاستمرار السكن في المدينة دون انقطاع.

سميت أغلب أسواق القدس جريًا على العرف الذي ساد في المدن العربية والإسلامية بأسماء البضائع التي كانت تبيعها او التي كانت تصنعها. وعدّد مجير الدين أشهر أسواق المدينة: كالسوق الأوسط، وسوق البزارين (الحرير)، وسوق التجار، وسوق الحريرية، وسوق الخضر، وسوق الزيت، وسوق الصاغة، وسوق الطباخين، وسوق الفخر (الذي اختص بصناعة الصابون) وسوق القشاش، وسوق خان الفحم، وسوق القطانين، وسوق القماش، وسوق المبيضين، وسوق المعرفة، والسوق الكبير؛ أي الأسواق الثلاثة والمقصود بها (سوق العطارين وسوق اللحامين وسوق الخواجات "الأقمشة والثياب") وسوق العطور، وسوق الدخانية، وسوق الخزف، إضافة الى ذلك فقد ذكر بعض السويقات كسويقة (تصغير سوق) باب حطة، وسويقة باب القطانين.

وصنّف عارف العارف أسواق المدينة في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وزاد عليها فذكر سويقة علون قرب باب الخليل، وسوق البازار، وسوق النحاسين، وسوق الباشورة، وسوق باب السلسلة، وسوق باب حطة، وسوق الباب الجديد، وسوق افتيموس، وسوق حارة النصارى، وسوق باب الخليل.

تاريخ أسواق القدس

تاريخ هذه الأسواق يعود الى عدة فترات تاريخية بعضها أساسه من العهد الروماني وبعضها من فترة الفرنجة، لكن أوضح وأعم الفترات الزمنية التي تنسب لها أسواق القدس هي الفترة الايوبية والمملوكية والعثمانية، وتركز النشاط التجاري في مدينة القدس في عدة مرافق هامة، أطلق عليها فيما مضى من العهود عدة مسميات كالخان والبازار والقيسارية والوكالة، وتوزعت هذه المرافق على شوارع وطرق المدينة حيث كان كل شارع يقسم الى عدة أسواق منها الكبير ومنها الصغير الذي اطلق عليها اسم سويقة.

الأسواق حركة وبركة

وهذه الأسواق كانت قلب المدينة النابض بالحركة التجارية والاجتماعية وكانت ولا تزال تعج بالحركة وتعاني خاصة في المناسبات والاعياد من الزحام الشديد بين الداخلين والخارجين مع منافسة بين اصحاب الدكاكين والبسطات الصغيرة مع المارة على المساحة الضيقة لهذه الأسواق، ومع ان اغلب هذه الأسواق مرصوفة ومبلطة الا انها ضيقة وبعضها مظلم نسبيا حتى في وسط النهار مثل سوق باب السلسلة قرب خان السلطان.

ومن خلال هذا التحقيق تسلط "القدس" الضوء على سوق البازار من حيث تاريخه والحركة التجارية فيه علاوة على لقاءات مع التجار وأنواع التحف فيه.

سوق البازار

وعن تاريخ البازار يقول الدكتور يوسف النتشة الخبير في تاريخ القدس إن سوق البازار كان يمتد من سويقة علّون قرب باب الخليل حتى ملتقى مفرق الطرق بين سوق الحصر وسوق اللحامين، لكن لاحقا تقلص المفهموم ليشمل المنطقة الواقعة بين طريق البيمارستان (وهي لفظة فارسية تعنى المستشفى) وسوق اللحامين، وتركز هذا السوق في ما بقى من عمارة البيمارستان، أي المستشفى الصلاحي نسبة الى صلاح الدين الايوبي الذي اوقف عليه الاطباء وجعله مركزا لمعالجة مرضى القدس. ثم بعد ان خرب وتعطل حاله، استخدم مركزا متخصصًا لبيع الخضار والفاكهة خاصة في العقود الثلاثة الاولى من النصف الثاني من القرن العشرين.

تخطيط البازار

ويضيف النتشة يتكون البازار أي ما بقى من البيمارستان، من مجموعة الاروقة تمتد من الشمال للجنوب، تسندها مجموعة عقود، يقوم بينها بلاطات (فراغات) تغطيها اقبية متقاطعة ويتوسطها بعض الفتحات للتهوية والاضاءة. ومع خروج اعداد كبيرة من السكان خارج البلدة القديمة وصعوبة السكن ضعف هذا السوق وتعطل حاله واغلق لفترة، ومن ثم لاحقا تحول الى مركز لبيع العاديات السياحية، ويشير النتشة الى ان على الزائر ان يتذكر العهود العامرة التي مرت على هذا الموقع حينما كان يعالج فيه جماعة من الاطباء المهرة مرضى القدس على اختلاف اجناسهم، وقد تُرجم لهم وذكروا في كتب الأطباء، وقد حافظ التجار على الهوية العربية للسوق من خلال إضفاء الطابع التراثي الفلسطيني.

تجار السوق

ويؤكد تجار السوق انهم يعانون من عقبات اقتصادية ومنافسة حادة وضرائب باهظة نظرا للسياسات الإسرائيلية.

ويقول التاجر عمر السنجلاوي صاحب محل سنتواري في السوق "هناك أفواج سياحية كثيرة تستخدم السوق للوصول الى حائط البراق وحارة اليهود"، موضحًا ان الدليل السياحي الإسرائيلي يشن حملة تحريض على التجار العرب ويوصيهم بعدم الشراء من محلاتهم.

ويشير الى ان معظم هذه المجموعات السياحية يقبلون على الشراء من الحي اليهودي، ما يلحق الضرر بالتجار الفلسطينيين ويؤدي الى ركود تجاري.

ويشير الى ان السواح الذين يمرون من السوق نوعان؛ الأول مسيحيون يأتون من بولندا ورومانيا وروسيا، يشترون الصلبان والمسابح والشمع، والثاني على شكل افراد يشترون تحف او سجاد ومواد فضة او ذهب او ياقوت.

ولفت الى ان محله يضم بئر قديم يعود حسب خبراء الاثار الى 2100 عام علاوة على مجموعة من التحف القديمة والحديثة، ولا يضم المحل ما يتعارض مع القيم الفلسطينية، اضافة لتحف من بقايا العثمانيين في القدس وما حمله العثمانيون للقدس قديمًا وعملات كانت متداولة في المدينة او حملها الحجيج بعد زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة لزيارة المسجد الاقصى من كل الدول الإسلامية، مضيفًا أن من بين الحلي والمقتنيات العثمانية تاجًا عثمانيًا قديمًا يزيد عمره عن 450 عاماً، ودروعا وسيوفا وفوانيس ومعدات تزيين العرائس ولباس الجند والأمراء وقادة الجيش.

فيما قال التاجر جواد أبو عمر عضو الغرفة التجارية ان الأسواق السياحية في البلدة القديمة تتعرض لهجمة من قبل الادلاء السياحين الإسرائيليين، مشيرا الى ضعف القوة الشرائية بسبب هذه الهجمة.

وأشار الى ان الغرفة تحضر لإعداد حملة دعائية للبلدة القديمة من اجل جذب السائح الأجنبي للتسوق من الأسواق العربية داعيا لوضع خطة من اجل انعاش هذه الاسواق.

وعزا حالة الركود التي تعاني منها هذه الأسواق الى الإجراءات الإسرائيلية على أبواب المدينة وخاصة باب العمود إضافة الى الأسواق التي أقيمت خارج البلدة القديمة.

ويملك أبو عمر محلا لبيع الاثواب الفلسطينية المطرزة، ويقول كان هناك اقبال على شراء الثوب الفلسطيني وما زال حتى يومنا الحاضر.

وقال التاجر الحاج اوشع منى صاحب محل سنتواري ان التجار هم خط الدفاع الأول نواجه حربا شاملة من وزارة السياحة والاثار الإسرائيليتي، مشيرا الى ان السيّاح المسيحيين يطلبون البضائع اليهودية مثل الشمعدان والقبعات والحانوكاه والمازوزة. نظرا لعدم وجود السياحة الإسلامية ولقوة الدعاية الإسرائيلية، واصفًا الوضع السياحي بالسيء.

وقال ان التجار يشعرون بالوحدة لعدم وجود جهة ترعاهم وتلبي مصالحهم.

الوضع السياحي

وحول الوضع السياحي في أسواق البلدة القديمة يؤكد رائد سعادة رئيس التجمع السياحي المقدسي ان السياحة عدة أنواع منها الافواج السياحية وهذه لها برنامج وغالبًا لا يستفيد منها تجار البلدة القديمة، لأنها تكون برفقة الدليل السياحي وتنتقل من مكان لأخر وتتسوق من أماكن ومحلات محدودة، علمًا ان هذا النوع من السياحة يتوافد بشكل كبير على المدينة.

مضيفًا ان هناك أفواج سياحية جديدة بدأت تصل الى أسواق البلدة القديمة وخاصة في الأعياد المسيحية وخاصة من روسيا وأوروبا الشرقية إضافة الى السياحة الإسلامية من جنوب افريقيا وتركيا وإندونيسيا وأوروبا.

ويشير سعادة الى ان التجمع السياحي المقدسي يحاول من خلال اساليب جديدة استقطاب الافراد والعائلات من دول أوروبا وامريكا كونهم يملكون قوة اقتصادية كبيرة ويتجولون بالبلدة القديمة بحرية وبالتالي هذا يعود بالنفع على المحال الصغيرة، مؤكدا "نحاول إعادة الروح للبلدة القديمة وحسن الضيافة وإعادة احياء الحرف الفلسطينية التي على وشك الاندثار واستبدالها ببضائع من الصين وتركيا والهند، وهذا يجري من خلال تشجيع سياحة الافراد والعائلات".

القدس .. مقصد سياحي

ويقول رغم ذلك نحن لسنا ضد استمرار المجموعات السياحية لكن نحن بصدد تحويل القدس الى مقصد سياحي واستعادة مركزية المدينة. وأضاف: نحن نأمل من الفئات السياحية التي تتجول في أسواق القدس بالتسوق منها ليستفيد التجار، وللتشجع على استثمارات جديدة تساهم في تثبيت صمودهم في مدينتهم.

ورأى سعادة انه لا توجد اليوم سياحة في القدس وانما عبارة عن أفواج من الحجيج المسيحية والإسلامية تستفيد منها دوائر مغلقة لا يستفيد منها التاجر الصغير، مؤكدًا على أهمية وضع الخطط لجذب السياح واقناعهم بضرورة كسر عزلة المدينة وحصارها.