القمة العربية شعارات بدون مضامين وآليات تنفيذ

بقلم :- راسم عبيدات

القمة العربية التي عقدت قبل عدة أيام في تونس ، أكدت ان القضية الفلسطينية ستبقى القضية المركزية للعرب وأن القدس " الشرقية" عاصمة الدولة الفلسطينية ورفضت القرار الأمريكي بالإعتراف بها عاصمة لدولة الإحتلال ، وكذلك أعلنت رفضها للقرار الأمريكي بضم الجولان السوري المحتل إلى "اسرائيل" وأكدت على التمسك ب" الصنم" العربي، مبادرة السلام العربية.

ما الفائدة من التمسك بمبادرة تقول " الأرض مقابل السلام، في ظل ضياع الأرض العربية واقتطاعها وتوزيعها هدايا وعطايا من قبل المتصهين ترامب على دولة الإحتلال؟ وعن أي سلام يتحدث العرب العاجزون في ظل حرب شاملة تشنها اسرائيل وأمريكا على الأمة العربية، وصلت حد قبلتهم الأولى، المسجد الأقصى، وهم يجترون نفس الشعارات على مدار 30 قمة عادية وتسع قمم طارئة، وعن أي قضية مركزية للعرب تتحدث القمة ؟ ، وبعضهم من يشارك أمريكا العدوان على شعبنا ويشجعها على تجاوز المرجعيات الدولية، فمبادرتهم العربية التي أُقرت في قمة بيروت 2002 ، نصت على استعادة الأراضي العربية المحتلة عام 1967 مقابل التطبيع مع دولة الإحتلال، ولكننا نجد أن التطبيع بلغ ذروته وشرعيته وعلنيته ، وأصبح من لا يطبع متهم بوطنيته وعروبته، وبالنسبة لقرارهم برفض ضم الجولان السوري الى دولة الإحتلال ، فلم نلمس آلية للإنفتاح على سوريا صاحبة الشأن في هذه القضية اولاً، بل نوقشت قضية الجولان في ظل غيابها وتغيبها عن القمة العربية، وكذلك لم يتم وضع أي آلية للتعامل مع الدول التي تتجاوز الشرعية والقانون الدولي بنقل سفاراتها من تل ابيب الى القدس وفي المقدمة منها امريكا ، وكأنه الخوف من امريكا ..؟؟

لعل الرئيس اللبناني ميشيل عون كان هو الأكثر حرصاً وصدقاً في حديثه عن المخاطر المحدقة بالأمة العربية، فهو أبدى قلقه من حالة العجز العربي والفرقة ولغة الإقصاء وعدم قبول الآخر أو التحاور معه، والغياب والتغيب للدول في القمة، حيث المقعد السوري الشاغر لدولة مؤسسة، والقلق الأكثر من ضياع الأرض، فلسطين والجولان، ومنها ما يتصل بلبنان، الخوف على مزارع شبعا وتلال شوبا، وثروات لبنان من غاز ونفط، والخوف من توطين اللاجئين النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين على أرض لبنان، وبما يغير من التركيبة السكانية ويفرض وقائع جديدة.

استمرار القمم العربية في " اجترار" نفس الإنشاء واصدار نفس البيانات، يضع علامة استفهام كبيرة على الجدوى من هذه القمم ، والتي أصبح المواطن العربي يشعر بالامبالاة لدى وذكرها ... ولا يلتفت الى قراراتها، فهو يدرك تماماً ويعرف هذا الإنشاء الممل الذي لا يوجد فيه مصلحة وخير لهذه الأمة، وكذلك يعرف جيداً أن قرارات القمة النارية منها وغير النارية، تحبس في الأدراج بمجرد جفاف الحبر الذي كتبت به، وما يجري من "تبويس" لحى ومصافحات أمام الكاميرات ،هي فقط لإستخدام الإعلام ولدغدغة مشاعر الشعوب المقهورة والمغلوبة على أمرها، والتي اذا استمرت في في سباتها العميق ستجد نفسها بلا اوطان ، بل سينغرز سيف المذهبية والطائفية والتفكيك والتفتيت عميقاً في جسدها.

المواطن العربي يتابع حال الزعامات العربية الحاضرة للقمة من أجل التندر ، من حرد منهم ، ومن صافح من ، ومن أشاح بوجهه عن الاخر، ومن رفض أن يلتقط صورة مع آخر .. ومن كان يغط في نوم عميق ، وهكذا دون أن يعنيه ما سيتمخض عن القمة ، فهو يعرف أنها فاقدة لإرادتها وقراراها السياسي، وحتى صياغة بياناتها الختامية،التي كما قال الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي تأتيهم جاهزة وما عليهم سوى التوقيع.

إن استمرار القمم العربية بهذا النهج والمنوال يعني وصول الأمة إلى مرحلة القاع، فلا بد من إطار شعبي عربي مقاوم جامع كبديل عن هذا الجسم المتهالك ....المرتهن الإرادة للغير من أمريكا وغيرها من الدول الأخرى .

لو اتخذت القمة العربية قرارات جريئة ونوعية، لجعلت المواطن العربي يشعر أن جزء من كرامته المهدورة ردت إليه، فلو على سبيل المثال،صدر قرار يقول تلتزم الدول العربية بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية شاملة على كل دولة تنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس، وتعترف بالقدس عاصمة لدولة الإحتلال، وأي دولة تخرق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية،مثل جواز ضم أراضي الغير بالقوة، كما حصل في الجولان والقدس وما سيتبع ذلك ، فهذا يعني تخلي العرب عن "صنمهم" مبادرة السلام العربية، والرجوع الى الشعار الذي رفعه الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر" ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" ، أو اتخاذ قرار بتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، حينها سيتابع المواطن العربي كل تفاصيل وخبايا وخفايا وكواليس مؤتمرات القمة العربية، فالمواطن العربي يريد قيادة تشعره بوجوده وكيانه، تشعره بانها تدافع عن أمنه ومستقبله، قيادة لا تفرط بأرضه ولا بأرض العروبة، قيادة تقول لأعداء الأمة "مصالح وأمن الأمة العربية فوق كل الإعتبارات".

نحن ندرك بأن الحالة العربية الآن في أوج إنهيارها، وإلا لما هرب العرب من إستحقاقات القمة ومواجهة الدول التي تعادي أمتنا وتحتل أرضها،أمريكا واسرئيل ومعها قوى الإستعمار الغربي، لكي يعوضوا هذا العجز بالقول أن ايران هي من تشكل الخطر على أمنهم وإستقرارهم وتتدخل وتعبث بشؤونهم الداخلية.

عدم تصدي القمة العربية للمخاطر الحقيقة المحدقة بالأمة العربية، والإنشغال بأعداء وهميين وافتراضيين، سيجعل حجم النزف في الجسد العربي يزداد إتساعاً، في ظل إصرار العديد من الدول العربية على الإنخراط في المشروع والحلف الأمريكي المستهدف لأمن وجغرافية ووجود ومستقبل الأمة العربية، رغم كل الإنكشاف للدور الأمريكي في العدوان المباشر على شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.

رغم كل هذاالإنهيار والإنبطاح العربي الرسمي، والحجم الكبير من الضغوط والحروب والعقوبات التي تتعرض لها دول وقوى وحركات المقاومة العربية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وماليا واعلامياً وثقافياً ، إلا ان حالة الصمود الأسطوري وما يسجله هذا المحور من إنتصارات تجعلنا متفائلين ان كل المشاريع والحلول لتصفية القضية الفلسطينية وشطبها، والمستهدفة لتركيع الأمة العربية وإذلالها وتوزيع أراضيها هدايا وعطايا على دولة الإحتلال عبر ما يسمى بصفقة القرن الأمريكية، ستمنى بهزيمة قاضية ،لأننا على قناعة بان عصر الهزائم قد ولى.

Quds.45@gmail.com