من الجزائر 62 الى الجزائر 2019: باب الغد العربي الأفضل…

بقلم : طلال سلمان

عرفتُ الجزائر، لأول مرة، مع انتصار ثورتها المظفرة، وحضرت الاجتماع الأول لمجلس نوابها، وشهدت انتخاب أول رئيس لجمهورية الجزائر الديمقراطية: أحمد بن بله، في 20 أيلول 1962.

كنت اتحرك وكأنني في حلم: الأبطال، سواء من أحفظ أسماءهم، كالخمسة الذين طوق الطيران الحربي طائرتهم في الجو، وأجبرها على الهبوط ليعتقلهم وفيهم أحمد بن بله، وكريم بلقاسم، ورابح بيطاط، وحسين آية أحمد، ومحمد خيضر..

كانوا عائدين من المغرب حيث التقوا الملك محمد الخامس وكبار المسؤولين، في طائرة مغربية خاصة، يقصدون تونس، ليتوزعوا من أجل تنفيذ المهام المطلوبة منهم، بين العواصم العربية.. ولقد دام اعتقال هؤلاء الأبطال لأكثر من خمس سنوات (1961 ـ 1956).

.. وهكذا فإن انتخاب أحمد بن بله رئيساً كان أشبه بشهادة تقدير رمزية لأبطال الثورة جميعاً في شخصه..

بعد ثلاثة أعوام من ذلك الانجاز التاريخي، شهدت الجزائر أول انقلاب عسكري قاده رفيق بن بله وخدينه العقيد هواري بومدين.. فاعتقل الرئيس الأول في تاريخ الجزائر المستقلة، وأحد أبطال ثورتها ممن رحب بهم العالم وفرح باختياره العرب خاصة، الذين طالما تظاهروا وهتفوا باسم الأبطال الخمسة، وكان الأشهر بينهم بن بله، وبأسماء المناضلات وأولاهم جميلة بوحيرد، ومعهم ثلاث أخريات ارتأت قيادة الثورة أن يتعرف إليهم الجمهور تعبيراً عن تقديرها لدور المرأة في الثورة.

ولقد ظل الرئيس الأول للجزائر المستقلة مع رفاقه الأربعة في السجن الفرنسي لمدة خمس سنوات متصلة.. ولم يغادروه إلا بوساطات وشفاعات دولية تواصلت حتى تم الإفراج عنهم في العام 1962.. أما بعد اعتقاله وسجنه مع انقلاب بومدين عليه لأكثر من اثني عشر عاماً، فقد خرج إلى باريس عقد مؤتمراً صحافيا شرح فيه ما جرى معه وله قبل أن ينتقل ليستقر في منتجع قرب جنيف.

بعد بومدين الذي دخل في سنواته الأخيرة في حالة غياب مطلق عما يحيط به، اختار الجيش رئيساً مؤقتاً لم يصمد إلا لسنة واحدة.

جاء بعد ذلك الشاذلي بن جديد، المتحدر هو الآخر من العسكر.

في هذه الفترة كان عبد العزيز بوتفليقة يعيش مبعداً في دولة الإمارات.. ثم دار الدولاب، فاذا الجيش لا يرى أفضل من “رجل بومدين” رئيساً للجزائر.. وهكذا كان.

ها هي الجزائر الآن، وبعد عشرين سنة، تقريباً تحاول استعادة قرارها، والتخلص من الماضي القريب الذي أخذها الى الفقر والحاجة، وعطل الحياة السياسية فيها، وحصر القرار بأيدي العسكر.

ولقد بلغ من بؤس الأحوال أن ظهرت في الجزائر مجموعات “الحيطانيين”، أي الآلاف من الشباب الذين يمضون أيامهم، بلياليها، في الساحات العامة يستندون الى الحيطان.. فهم بلا عمل، وبلا دخل، وبلا مأوى مريح يتسع لجميعهم، برغم أن بلادهم في رأس قائمة الدول المصدرة للنفط والغاز.

وشهيرة هي التظاهرات المليونية التي استقبلت الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، هاتفة بمطلبها الأوحد: فيزا، فيزا!

كان المشهد مذلاً: فأحفاد المليون شهيد في حرب تحرير الجزائر، من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، يتسولون تأشيرة دخول الى بلاد مستعمرهم ولاغي هويتهم الوطنية ليعملوا فيها حيث لا يقبل مواطنوها: فرنسا.

المفارقة الصارخة انه بمقدار ما كانت تتعاظم الثروة الوطنية الجزائرية بفضل النفط والغاز، فان نسبة البطالة بين شبابها الجديد كانت تتزايد بينما الدخل الفردي في تناقص مستمر.

صحيح أن عدد السكان كان يتزايد بمعدلات ملحوظة، عاماً بعد عام، ملتهماً الزيادة الطبيعية في الدخل القومي، لكن المغامرات السياسية ـ العسكرية للحكم كانت تستهلك الكثير من ذلك الدخل. يكفي كمثال أن نستذكر إقدام جزائر بومدين ومن بعده على ابتداع مسألة البوليزاريو، والحرب التي كان لا بد أن تنشب بين الجزائر والمغرب حول “الصحراء” التي أراد بومدين أن يبتدع فيها “دولة” في حين كان المغرب يعتبر تلك المساحة بعض أراضيه، أو “أرض متنازع عليها في أقل تقدير”.

كانت طموحات بومدين بلا حد.. وقد وجد نفسه قائداً عربياً أوحد في أفريقيا، والوطن العربي، لا سيما بعد رحيل الزعيم العربي الكبير جمال عبد الناصر، وقبل أن تتعاظم ادعاءات معمر القذافي بالقدرة على قيادة الأمة ثم العالم بنظريته العالمية الثالثة.

حاول بومدين أن يكون زعيم العرب، وزعيم افريقيا، وزعيم العالم الثالث، وبالتالي قطباً في الصراع الدولي على المنطقة العربية بنفطها وغازها وموقعها الاستراتيجي.

ولقد أنفق الكثير من مال الجزائريين على محاولات تحقيق طموحاته، وكان موفده ومعتمده النشيط “الرجل الصغير” عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجيته ولسانه وناقل تعليماته:

لكن الصراع على وراثة بومدين أبعد بوتفليقة، فأمضى بضع سنوات “ضيفاً” (ولو انه لاجئ سياسي في دولة الامارات العربية المتحدة).. وهكذا تولى الرئاسة الشاذلي بن جديد (المتحدر من الجيش)، وبعده اشتد الصراع على السلطة بين الأجنحة العسكرية فجاءت فرصة بوتفليقة ليقفز الى سدة الرئاسة قبل عشرين سنة (أي لأربع دورات متتالية).. بإسناد مباشر من ضباط بومدين الذين كانوا الآن قد صاروا أصحاب القرار.

معروف أن جبهة التحرير الوطني الجزائري كانت باستمرار بمثابة الحزب الحاكم في الجزائر، وان كانت أقرب الى “جبهة” تضم قوى سياسية مختلفة ولكن مؤتلفة ضمنها.. ثم تشققت هذه الجبهة وضعفت وخرج منها تنظيمات عدة..

بالمقابل كان الإخوان المسلمون يتنامون بسرعة، لا سيما مع فشل السلطة في إنجاز التقدم والنمو الاقتصادي الذي يوفر العيش الكريم للملايين المتزايدة في بلد المليون شهيد.

هكذا تفاقمت الأزمة المعيشية حدة موسعة المساحة السياسية أمام جماعة الإخوان التي حاولت السيطرة على السلطة عبر مشروع انقلاب دموي كلف الجزائر الكثير من الأرواح والخسائر الاقتصادية وبعضاً من سمعتها أو رصيدها المعنوي الممتاز لدى الشعب العربي، كما في العالم اجمع.

.. وكانت تلك فرصة ذهبية للجيش كي يمسك بزمام الأمور ويضبط الشارع ويقضي على ما وصفه بالعصيان، وبالتالي التحكم بالحياة السياسية، بل الحياة العامة بمختلف وجوهها مفيداً من الرصيد التاريخي لجبهة التحرير الوطني.

عاد الجيش مركز القرار: في السياسة، كما في الاقتصاد، وفي الأمن كما في الشؤون العامة جميعاً.. من يختاره رئيساً هو الرئيس وكذا الأمر بالنسبة للوزراء والنواب الخ.

الجزائر الآن في محنة: الشعب بملايينه في الشارع، من دون قيادة سياسية واضحة البرنامج، مؤكدة القدرة على الإمساك بالسطلة في مواجهة الجيش.. وهو لن يخضع لسلطتها المدنية إلا بما يحفظ له موقعه الممتاز في القرار، سياسياً واقتصادياً.

الأحزاب السياسية كثيرة العدد ولكنها في حقيقة الأمر بلا تأثير حاسم على موقف الشارع، فضلاً عن موقف الجيش.

المشهد الشعبي رائع: الملايين تتدفق الى شوارع المدن والقصبات في مختلف أنحاء الجزائر، متجاوزة كل محاولات تقسيم الشعب الواحد الى “عرب” و”بربر”.

والقوى السياسية موحدة الآن في الاعتراض، ولكن الخطر يتربص بها على أبواب السلطة الجديدة، خصوصاً وان الجيش هو أيضاً قوة سياسية لا بد من أخذها بالاعتبار، لأنه يمسك بزمام السلطة منذ نصف قرن أو يزيد.

انتصار الحركة الشعبية في الجزائر فجر جديد للغد العربي الموعود، مشرقاً ومغرباً..

لكن أعداء هذا الفجر، في الداخل والخارج، قوى مؤثرة لا بد أن يحسب لها حساب، لأن المعسكر المعادي يتمتع بقوة لا يستهان بها (الامبريالية الأميركية والاستعمار القديم ـ فرنسا، والعسكر الذي استمتع بالحكم دهراً طويلاً الخ..)

.. وهذه تجربة الانتفاضة الشعبية في تونس، شاهد وشهيد.

وكذلك تجربة” انتفاضة يناير” في القاهرة التي فتحت أبواب الأمل بغد أفضل على مصراعيها، ثم جاء من أغلق هذه الأبواب ومنع التاريخ من أن يكمل مساره الى حيث يريد أهله.

حمى الله الجزائر وشعبها العظيم الذي صنع معجزة أولى في الخمسينات انتهت باستعادة أهلها وطنهم ودولته.

مع الأمل بأن يفتح، مرة أخرى، باب الغد الأفضل للأمة العربية جميعاً وبكافة أقطاره، مشرقاً ومغرباً.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق المصرية