القدس "حبيبةٌ" في جلسة تصوير والمصوّر وافدٌ بـ "التهريب"

رام الله - "القدس" دوت كوم - نداء بسومي - يحمل كاميراته على كتفه، ومن على سلمٍ متكئِ على جدار الفصل العنصري يصعدُ المحامي إسلام الرفاعي (28 عامًا) خلسةً عن أعين جنود الاحتلال وبنادقهم، متجهًا صوبَ العاصمة المقدسة، ليمارس هوايته في اقتناص التفاصيل داخل سور القدس.

بعيدًا عن إطلالة المسجد الأقصى وإلى الشمال من رام الله، ولد إسلام في بلدة دورا القرع، إلا أن ارتباطًا روحيًا جذبه - كغيره من الفلسطينيين - إلى القدس، وما عمّق هذا الارتباط قضاؤه أيام الصيف في طفولته في باحات الأقصى، حتى نقش في ذاكرته أزقة البلدة القديمة وحوانيتها كما لو أنه ابن المدينة.

تسع سنوات من البُعد!

بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 لم يستطع إسلام وبقية الفلسطينيين زيارة القدس إلا بالتصاريح التي يصدرها الاحتلال الإسرائيلي بعد معاناة وطلباتٍ تقابَل بالرفض في أحيانٍ كثيرة، وعلى هذا الحال بقي إسلام حتى عام 2009، إلى أن استطاع استصدار تصريح لأجل العلاج داخل القدس من وعكة صحية ألمّت به، وهو ما أتاح له زيارة المسجد الأقصى مجددًا، معبّرًا عن لقائه بعد الغياب بقوله: "أول ما نظرت إلى المسجد الأقصى بعد تسع سنين، بدأت بالبكاء، تذكرتُ أيام طفولتي، كلّ شيء كما تركته"، إلا أن هذا اللقاء لم يمرّ مرور الكرام، فبكاميرا هاتفٍ بسيط أخذ إسلام يلتقط الصور "كما لو أنها محبوبته"، وعلى الرغم من قلة جودتها إلى أنه سرعان ما نشرها على مدونته الإلكترونية.

43192679_10212510385865678_6134348132126818304_o

ومع تكرار زيارة الرفاعي إلى القدس لأجل العلاج، تنامى معه حبّ تصوير التفاصيل القُدسيّة، وهو ما دفعه إلى اقتناء أول كاميرا فتحتُ له الباب واسعًا على الإنترنت، فتحسّنت صورهُ مضمونًا وجودةً، وقامَ بإنشاء مدوّنة باللغة الإنجليزية لتعريف العالم بالقبة الذهبية وما حولها، مستفيدًا من موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لترويج صوره بنشرها عبّر صفحته الخاصة، يقول إسلام: "لاقت صور القدس التي نشرتها على فيسبوك ابتهاجًا واسعًا من أصدقائي غير القادرين على دخول المدينة، كما وبدأ التفاعل من دول عربية مختلفة على الصور وسط دعواهم بزيارة قريبة للقدس".

الدخول الممنوع

لم تكتمل فرحةُ إسلام، فتصريح دخوله للقدس المحتلة انتهى بالتزامن مع قدوم شهر رمضان الذي يجتمع خلاله ما يقاربُ نصفَ مليون فلسطيني داخل باحات المسجد الأقصى، فما كان لإسلام أن يفوّت فرصة اقتناص صور هذه المناسبة السنويّة عليه، بل التجأ إلى الطريقة الأكثر خطورة وهي "الدخول بالتهريب".

Screen Shot 2019-04-08 at 9.13.55 AM

مع أقرانه دخل إسلام القدس عن طريق تسلّق جدار الضم والفصل العنصري، متحديًا أسلحة الاحتلال المنتظرة على الجانب الآخر من الجدار، ومتسللًا خفيةً عن قلق أمه وخوف والده، فيحدثنا المحامي الشاب: "كنت أستثمر الشهر المبارك في اغتنام ما أستطيعهُ من صور تروي ظمأ شوقي، واستمريت على هذا الحال لسنواتٍ مضت".

56673056_10213574445586506_5500647908287971328_o

أسيرٌ جنائي!

قبيل رمضان عام 2013، وفي خضم استعداد إسلام للذهاب إلى الأقصى كما كلّ عام، طُرق باب منزله في منتصف الليل معلنًا عن زائرٍ غير مرغوبٍ فيه، فاعتقلت قوات الاحتلال إسلام لاثني عشر يومًا، كانت الأيام الأغرب في حياته، فقبل أن يلحقوه بالأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، أدخلوه السجن الجنائي، ولم يعامل كأسير فلسطيني، ولم تقدَم له أي تهمة، بل لم يكن هناك أي ملف اعتقال له، وشنّوا عليه حربًا نفسيةً أنهت به المطاف إلى مستشفى "هداسا" الإسرائيلي بسبب التهاباتٍ في القولون العصبي.

وبعد الإفراج عنه، أكمل إسلام تجهيز نفسه باستقبال رمضان في الأقصى، يخبرنا الرفاعي: "ظن الاحتلال أنني سأتوقف عن التصوير، لكن بعد الإفراج عني عدت مرةً أخرى إلى المسجد الأقصى بطريقتي التي جريت عليها لسنواتٍ عدة، وأحييت رمضان من العام ذاته في كنفِ القدس".

"الأقصى كما لم تره من قبل"

توّج إسلام التقاط الصور خلال شهر رمضان، ونشرها على موقع "فيسبوك"، بأولِ اتصالٍ هاتفي من العاصمة الأردنية عمّان، طلب فيها ملتقى القدس الثقافي من إسلام السماح لهم باستخدام صوره حول الأقصى في معرضٍ صوّري بعنوان "فؤادي هناك، الأقصى كما لم تره من قبل"، وتضمينها في كتابٍ يحملُ الاسم ذاته، فكانت هذه المشاركة نقطة الانطلاق نحوَ المعارض العالمية للتعريف بالقدس العاصمة الفلسطينية بزوايا فوتوغرافية، فشاركت صوّر المحامي في معرضٍ آخر بالجزائر، وثالثٍ بالنرويج، وانتهاء بمؤتمرٍ في بيروت لدعم القضية الفلسطينية، ورافقَ هذه المعارض حصول إسلام على المركز الثاني عربيًا في أجمل صورة فوتوغرافية لعام 2016.

موقوفٌ مرةً أخرى

خلال عودته من القدس في رمضان عام 2017، أوقف الاحتلال الإسرائيلي المصوّر الهاوي على معبر قلنديا بسبب دخوله "غير الشرعي" إلى الداخل الفلسطيني، وصادر كاميرته المليئة بنحو ألفي صورةٍ عن المدينة المقدسة، والتي لم يمر على التقاطها سوى ساعاتٍ قليلة. وبعد توقيف دام 48 ساعة أفرجت قوات الاحتلال عن إسلام، الذي سارع للبحث عن طريقةٍ ليعيد فيها جهد يومٍ من التصوير بعدما أعيدت له الكاميرا فارغة.

56340114_10213591633496193_7167049593698385920_o

وفي إطار محاربتهم لكل من يوصل القضية الفلسطينية ولو بصوره إلى العالم، أوقف الاحتلال إسلام على معبر الكرامة فور عودته من المعرض الأخير في بيروت، مسلمًا إياه قرارًا بمنعه عن السفر.

"أصوّر القدس لأنها فكرة أؤمن بها، لا أنتظر مقابلًا لصوري ولا أفكر في اتخاذ التصوير مهنةً أعتاش منها" بهذه الكلمات يختمُ إسلام حديثه عن شغفه في تصوير القدس بكل تفاصيلها، وبلقب "قناص الأقصى" الذي منحه إياه أصدقاؤه وكلّ من شاهد اقتناصه لصورٍ فريدة، مشيرًا إلى أنه يستعدُ لاستقبال رمضان هذا العام، من أجلٍ صورٍ جديدة.

43524494_10212534991800811_4816960196473520128_o

11149605_10204258967305371_229788931886124947_o