السلام المنفرد بتقنيّة الـ(4K)!

بقلم : إبراهيم ملحم

(شو اللي بصير ياجماعة، انتو وين رايحين فينا هذا اللي بتعملوه خطير، اللي بينعرض علينا مشروع أمريكي تفوح منه رائحة الصفقة، مش مشاريع إنسانية مثل ما بتروّج إلو، خلينا نهدي يا إخوان"، بهذه العبارة التي تستبطن قلقاً عميقاً إزاء ما يجري من تفاهمات وتوافقات بعضها سريّ والآخر علني بين حركة حماس واسرائيل بمساعدة قوى إقليمية، خاطبت إحدى الشخصيات الوازنة، وذات الحضور العاقل في الحركة اجتماعاً ضم عددًا محدودًا من قيادات الصف الأول فيها عقد قبل أسبوعين في غزة.

فما كان بالأمس شائعات غدا، اليوم معلومات، تؤكدها التصريحات الصادرة عن عدد من كبار المسؤولين في الحركة، مثلما تؤكدها إجراءات بدأت تأخذ طريقها على الأرض بإعلان الفصائل رسميّا أمس، وقف ما أطلقت عليه "الأدوات الخشنة" على كامل حدود القطاع، وهو ما ينبئ عن وصول التفاهمات إلى مرحلة متقدمة، عززتها التصريحات الصادرة عن نائب رئيس الدائرة السياسية في الحركة عصام الدعليس أمس الأول، والتي أشار فيها إلى أن التفاهمات التي تم التوافق عليها مع إسرائيل تشمل المعابر والكهرباء والصيد والتشغيل المؤقت والصحة، إضافة إلى مشاريع كبرى سيتم تنفيذها في القطاع. موضحا بأن الوفد الأمني المصري الذي عاد إلى غزة قبل أيام حمل معه الجداول الزمنية لتنفيذ تلك التفاهمات برعاية مصرية وقطرية وأممية.

وإذا ما أضفنا إلى تلك التصريحات، تصريحات أخرى أفضى بها لـ"فوكس نيوز" مستشار رئيس المكتب السياسي للحركة غازي حمد، والتي أبدى فيها استعداد الحركة لعقد لقاءات مع الإدارة الأمريكية التي تقاطعها الرئاسة الفلسطينية، فإنه سيكون بالإمكان جمع شتات الصور لتكوين صورة مكتملة أكثر وضوحا، دون أي ادعاء باستخدام تقنيات "الفوتوشوب"، مثلما لن يغيّر من ملامح تلك الصورة نفي حمد اللاحق لتصريحاته التي ظهرت بالصوت والصورة على شاشة الإخبارية الأمريكية، وبإمكان من يريد التأكد من تلك التصريحات العودة لتلك المقابلة.

وإذا ما أضفنا إلى كل ما سبق صورة الحشد الدبلوماسي الأممي غير المسبوق الذي وصل غزة أمس، فإننا نكون أمام صورة بتقنية الـ(HD) للمشهد المثقل بالأسئلة الحائرة، إذ وصل إلى القطاع وفد دبلوماسي أممي يضم القنصل الإيطالي ونائبه، ونائب القنصل الأسباني، ومدير مكتب السفارة النرويجية، ومسؤول ملف الأونروا في السفارة البلجيكية، ووكيل السفارة المالطية، ومسؤول بولندي ومدير مكتب القنصلية الإيرلندي العام، ومسؤول التعاون ووكيل السفارة الكندي، وجوليان طوني سفير سويسرا في فلسطين مع حشد من المرافقين، وذلك للاطلاع على تفاصيل تلك المشاريع الكبرى التي يجرى الإعداد لإقامتها في القطاع دون أن يكون للسلطة أي سلطة عليها.

وإذا ما أردتم مشاهدة الصورة بتقنيّة الـ(4K) تعالَوا معنا إلى ما نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أمس، في تقرير مطول لها حول تلك التفاهمات والذي أشارت فيه إلى أن الاتصالات بين "حماس" وإسرائيل من شأنها أن تديم حالة الانفصال الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهو الأمر الذي تسعى إليه تل أبيب منذ سنوات لأهداف سياسية مختلفة، مشيرةً إلى أن "حماس" نجحت في وضع نفسها كعامل سياسي يجب مفاوضته. مضيفة إنه "في الوقت الذي توجه فيه إسرائيل ودونالد ترامب ضربات اقتصادية ودبلوماسية لحركة فتح وللسلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل تعتبر قطاع غزة كياناً سياسيّا منفصلاً عن الضفة، وهي تعمل على إدامة هذا الانفصال، ولذلك فإن المفاوضات التي تخدم الانفصال، أصبحت شرعية في نظر من يصفون "حماس" بأنها منظمة إرهابية".

وهكذا فإن الصورة تكاد تخرج من الإطار لفرط وضوحها، صورةٌ تسابق فيها الأسئلة الأجوبة حول "خط الإنتاج الجديد للسلام المنفرد"، الذي يجري تدشينه للمرة الثانية تحت ظل شجرة برتقال على شاطئ البحر دون أية مراعاة لفارق التوقيت، ولا لتقلبات الزمن، وبفزعة أممية وإقليمية، وبغياب كامل للسلطة الوطنية، التي لم يتبقّ لها من السلام سوى ظل نخلة على ضفاف نهر ستجري تحت جسره مياه كثيرة حتى مطلع الصّيف المقبل.