صور | الصابون النابلسي.. إرث الآباء يكافح من أجل البقاء

نابلس - "القدس" دوت كوم - غسان الكتوت - وسط زحمة المئات من أصناف المنظفات الكيماوية التي تعج بها رفوف المتاجر والأسواق، يقف الصابون النابلسي شامخًا مكللًا بتاج العراقة والأصالة، رغم التراجع الكبير في الطلب عليه في العقود الأخيرة.

واكتسبت نابلس شهرة واسعة بصناعة الصابون، ويعود ذلك إلى وفرة زيت الزيتون الذي كان يفيض عن حاجة الناس، فجاءت فكرة صناعة الصابون وتصديره، وإن دخلت بعض التحديثات على هذه الصناعة، لكنها بقيت تأخذ طابع الصناعة اليدوية التقليدية.

7

ويرجع تاريخ صناعة الصابون النابلسي، بحسب الباحثين، إلى أكثر من ألف عام مضت، واستدل المؤرخون على ذلك بالكثير من الكتابات التي دونها الرحالة والمؤرخون القدماء، بينهم شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري «المقدسي» الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، وتحدث عن صناعة الصابون، قائلاً إنه كان يصنع في نابلس ويصدر إلى مختلف الدول.

1810207713096671680

وفي فترة الاحتلال الصليبي، ذاع صيت مدينة نابلس بصناعة أهم أنواع الصابون، واعتبرت هذه الصناعة حكرًا على الملك الذي عيّن نفسه مسؤولًا عنها، ولم يسمح لأي من أصحاب المصانع بالاشتغال في هذه الصنعة، إلا بعقد يمنحه لهم "بيت المقدس" مقابل مبلغ مالي من أصحاب المصانع.

وعمل الصليبيون على نقل هذا الاختراع إلى أوروبا، فتأسست مصانع الصابون من زيت الزيتون في مرسيليا الفرنسية، وكانت هذه المصانع تحضّر الصابون بطريقة مشابهة لطريقة تحضير الصابون النابلسي.

5

في القرن الرابع عشر، تطورت صناعة الصابون بشكل ملحوظ في نابلس، بعد أن تم تصديره إلى دول الشرق الأوسط وأوروبا، ويروي المؤرخون أن الملكة إليزابيث الأولى أعجبت بهذا النوع من الصابون.

وفي القرن التاسع عشر الميلادي، عرفت هذه الصناعة في نابلس توسّعًا كبيرًا، إلى أن أصبحت من أهم مراكز صناعة الصابون.

وفي عام 1907، بلغ عدد المصانع 30 مصنعًا تنتج قرابة 5 آلاف طن سنويًا، وكانت نابلس وحدها تنتج أكثر من نصف إنتاج فلسطين من الصابون.

وكتب المؤرخ السوري محمد كرد علي، عام 1930: صابون نابلس هو الأكثر جودة والأكثر شهرة، فجودته ليست عادية، وهذا هو سر إنتاجه الجيد حتى الآن.

وبدأ تدهور صناعة الصابون النابلسي، في منتصف القرن العشرين، بسبب زلزال عام 1927 الذي دمر الكثير من المصانع القديمة في نابلس، وكان لعدم حماية الاسم التجاري للصابون النابلسي أثر كبير أيضًا في تقهقر صناعة الصابون، وهو ما حفّز العديد من أصحاب المصانع التجارية إلى تقليد علامة نابلس.

وجاءت الضرائب الجمركية التي فرضتها الحكومة المصرية بالتعاون مع حكومة الانتداب البريطاني، وتلتها رسوم الاستهلاك التي فرضتها الحكومة السورية على الصابون النابلسي، ثم الاجتياح الإسرائيلي لمدينة نابلس عام 2002، الذي دمر الكثير من المباني في البلدة القديمة ومنها ثلاث مصابن.

دور سياسي هام

وتاريخيًا كانت صناعة الصابون في نابلس حكرًا على كبار الزعماء والتجار والعلماء وبعض أعضاء مجلس المبعوثان العثماني وأعضاء المجلس البلدي، وفي كل "مصبنة" كانت قاعة خاصة للاجتماعات بين صاحب المصبنة والوجهاء والأثرياء وكبار موظفي الدولة، كانت تعرف باسم "الديوانية" حيث يتبادلون الحديث والآراء ويتشاورون في الأمور العامة.

وتشير كتب التاريخ الى إن قرار إضراب عام 1936 الشهير، والذي استمر ستة أشهر في فترة الانتداب البريطاني، خرج من أحد مصابن نابلس، وتم وضع أهم أسس ومبادئ ثورة فلسطين الكبرى عام 1936 في ذلك الاجتماع، وتم الاتفاق أيضًا على عدة أمور، من أهمها إعلان إنشاء اللجنة القومية للإشراف على سير الحركة الوطنية، وأن يتم إعلان الإضراب العام في نابلس وأن تُدعى سائر مدن فلسطين إلى الإضراب.

maxresdefault (1)

وحتى أواخر القرن التاسع، كان عدد "المصابن" في نابلس 30 مصبنة، ثم بدأت في الاضمحلال شيئًا فشيئًا إلى أن وصل عددها في العام 1904 إلى 16 مصبنة، تراوح إنتاجها السنوي ما بين 500 – 1000 طن.

وعشية اندلاع الحرب العالمية الأولى ارتفع عدد مصانع الصابون في نابلس من جديد ليصل 29 مصبنة منها 23 مصبنة كبيرة و6 صغيرة تنتج ما بين 2400 – 2640 طنًا من الصابون.

وبلغ عدد المصابن المسجلة رسميًا حتى بداية الألفية الجديدة في نابلس 28 مصبنة، لكن الكثير من هذه المصابن متوقفة عن الإنتاج منذ سنوات، وبعضها الآخر قلّص إنتاجه بسبب نقص الطلب على هذا النوع من الصابون، مع ازدياد منافسة الصابون الصناعي.

content_img_0225

وحاليًا، لم يعد هناك سوى اثنتين من مصابن نابلس القديمة تعملان بذات الطريقة التقليدية اليدوية لصناعة الصابون والمستمرة منذ قرنين، بالإضافة إلى ما تنتجه بعض المعامل المنزلية الصغيرة.

في ميدان الشهداء وسط نابلس، تقف مصبنة طوقان شاهدة على حقبة مهمة من تاريخ المدينة على مدى قرن ونصف من الزمان.

وتأسست مصبنة طوقان عام 1872 على يد حافظ وعبد الفتاح طوقان، ثم انتقلت إلى الأبناء والأحفاد.

الحاج محمود المعلواني (85 عامًا) أحد أقدم العاملين في مصبنة طوقان، يحتفظ بخبرة كبيرة في أسرار صناعة الصابون اكتسبها على مدى 75 سنة، منها 50 في هذه المصبنة.

ويذكر المعلواني كيف كان الفلاحون يأتون بالزيت معبأ بضروف جلدية على ظهور الدواب إلى مدخل الصبانة، ويقوم العمال بسكبه في آبار الزيت وعددها ثلاثة، أمّا الآن فإن الزيت يأتي ببراميل معدنية.

31368a387afb4749ad6d4848b6daedaf_8

وتمر دورة صناعة الصابون بثلاث مراحل رئيسة، وهي: الطبخ، والتقطيع، والتغليف. وتبدأ عملية الطبخ بنقل الزيت من الآبار إلى حلة الطبخ التي تتسع لنحو 22 برميل زيت، ويوقد تحته حتى يسخن، ويضاف إليه مادة الصودا بعد إذابتها بالماء، بشكل تدريجي وبكميات محسوبة.

وتستغرق عملية الطبخ من ثلاثة إلى خمسة أيام، ويعتمد ذلك على حرارة الجو، ففي الصيف تكون أسرع منها في الشتاء.

وشرح لنا المعلواني كيف يتم تعبئة خلطة الصابون بأوعية خاصة، ونقلها إلى الطابق العلوي وسكبها على الأرض بعد فرد ورق أبيض شفاف، ووضع حواجز خشبية أو معدنية على أطراف الأرض المخصصة، حتى لا ينساب الصابون السائل من الأطراف، ويقوم العمال بتسوية الخلطة كما لو كانت خلطة اسمنتية، وتترك حتى تجف.

أما مرحلة التقطيع، فتبدأ بقشط السطح الخارجي لطبقة الصابون بالكامل، ثم تنظيفه، قبل أن يبدأ العمال بتخطيط طبقة الصابون على شكل مربعات باستخدام الفرجار وخيط وماء مصبوغ بالأحمر.

وتأتي بعد ذلك عملية ختم الصابون قبل تقطيعه، ويحمل العامل مطرقتين خشبيتين منقوش عليهما العلامة التجارية للشركة، ويضرب بهما على كل مربع من المربعات لتظهر العلامة التجارية على كل قطعة.

IMG_5553

ويقوم فريق من العمال بتقطيع الصابون بواسطة أداة حادة مثبتة على رأس عصاة خشبية متينة تربط على خاصرة العامل ويجرها على الخط الأحمر مع الضغط عليها.

ويشير المعلواني إلى أن عملية التقطيع مهمة شاقة ومتعبة، ولذلك توكل هذه المهمة عادة للعمال الشباب.

أما زوائد عملية التقطيع، فيتم تجميعها وبشرها، وبيعها على شكل صابون مسحوق تستخدمه ربات البيوت لا سيما في تنظيف الأرضيات، حيث يُكسب البلاط نعومة فائقة.

وبعد ثلاثة أيام، يبدأ العمال برفع قطع الصابون عن الأرض، لتبدأ عملية التشبيك، وهي ترتيب حبات الصابون على شكل تنور أو هرم يحوي الواحد منه أكثر من ألف حبة وتبقى لمدة شهر أو أكثر حتى تجف وتكتسب الصلابة المطلوبة، وتصبح صالحة للتغليف والتعبئة.

751f28a72772412e8e6e7323681f3cb6_8

b3969bc6541048fb9d05eb6654fca2ab_8

وتأتي بعد ذلك مهمة عمال التغليف أو "اللفيفة" ويقوم كل واحد منهم بتغليف قطع الصابون يدويًا، كل قطعة على انفراد، ويلفها بطبق ورقي أبيض يحمل العلامة التجارية، في حركة سريعة لا تستغرق أكثر من ثلاث ثوان، والعامل المتمرس يستطيع تغليف أكثر من 1000 حبة بالساعة الواحدة.

5a6ee0c970874e729d665f9bac8fd7eb_8

c787f443ba0704c20942a6b17cc505e6

ويبين المعلواني أن طريقة صناعة الصابون لم تختلف كثيرًا عن الماضي، وتكاد تنحصر التغيرات في أمور قليلة، كاستخدام محرك آلي لتحريك الخلطة داخل الحلة الكبيرة، بعد أن كان يتم ذلك باستخدام عمود خشبي يديره العمال.

كما أن تسخين الزيت بات الآن يتم باستخدام الديزل بعد أن كان يتم بحرق الجفت، وهو مخلفات عصر الزيتون الذي تنتجه المعاصر.

أما طريقة التقطيع، فبقيت كما هي منذ أكثر من 200 سنة، ولم يدخل عليها أيّ تحديث.

٢٠١٦٠٧١٣_١١١٧٥٥

ويشير المعلواني إلى أنّ الصابون النابلسي يمتاز بأنه مطهّر فعّال، ومنظف قوي، وبأنه مصنوع من زيت الزيتون، بعكس الصابون التجاري المستورد والذي يصنع من زيوت نباتية رديئة.

ويضيف: نحن نعوّل على وعي المستهلك المحلي بأن يتجه لاستهلاك الصابون النابلسي، لانه آمن للصحة والبيئة.

ويؤكد أن الجيل القديم ما زال إلى الآن يستخدم الصابون النابلسي كهدية قيّمة من نابلس للأهل والأصدقاء، لا سيما في الخارج.

IMG_7328

ويحمل الصابون المنتج في مصبنة طوقان ماركة المفتاحين، وهي ماركة مسجلة في معظم الدول العربية، ويخضع إنتاجها للفحص والرقابة المستمرة من الجمعية العلمية الملكية الأردنية ومؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية.

معيقات وتحديات

عوامل عديدة تضافرت وأثّرت سلبًا على صناعة الصابون النابلسي التقليدي، فإلى جانب تحوّل الناس إلى المنظفات الكيماوية زهيدة الثمن، ساهم الاحتلال بإجراءاته وسيطرته على المعابر، في تراجع هذه الصناعة ورفع تكلفتها.

وبعد أن كانت مصبنة طوقان تنتج سنويًا 600 طن من الصابون، تراجع معدل الانتاج إلى 400 طن سنويًا، يذهب ثلثاه إلى الاردن، والثلث الباقي يسوّق في السوق المحلي، ومن الأردن يتم تصدير الصابون إلى دول الخليج وبعض الدول العربية، بالإضافة إلى كميات محدودة لدول أوروبية، مثل المانيا وفرنسا وسويسرا وايطاليا، حيث يحرص الكثيرون هناك على استخدام المنتجات الطبيعية.

ويشكو مصنّعو الصابون النابلسي من ارتفاع الجمارك التي تفرضها السلطة الفلسطينية على استيراد الزيت من الخارج، وكذلك فتح الأسواق الفلسطينية لكل أنواع الصابون المستورد من الخارج رغم رداءته.

وتعتمد مصابن نابلس على زيت الزيتون المستورد من دول عديدة، كاسبانيا وايطاليا، لعدم كفاية كميات الزيت المنتج محليًا وارتفاع أسعاره.

ويؤكد ماهر الشكعة، مدير مصبنة الشكعة الواقعة على الأطراف الغربية للبلدة القديمة، أن معيقات الاحتلال بالاضافة إلى غياب الحماية من السلطة ساهما في تراجع هذه الصناعة كثيرًا.

Nabulsi_soap_IMG_5357

وأضاف أن إجراءات الاحتلال تزيد من التكلفة، سواء في استيراد المواد الخام، أو تصدير الصابون إلى الأردن، وهو ما لم يكن سابقًا قبل الاحتلال.

ويشير إلى أنّ تكاليف الانتاج ارتفعت بفعل الضرائب غير المباشرة، كما أن تراجع مستوى الدخل والقوة الشرائية لدى المواطن أسهم في تراجع الطلب على الصابون النابلسي.

ويقول: كان من عادة رب الأسرة سابقًا أن يشتري كيس الصابون بوزن 20 كيلوغرام، ويدخره، أمّا الآن فيشتري بكميات قليلة ويبحث عن منتجات ذات سعر أقل.

ويعود تاريخ مصبنة الشكعة إلى أكثر من 130 عامًا، ولا زالت تنتج الصابون بالطريقة التقليدية دون أي تغيير.

ويؤكد الشكعة عدم وجود جدوى لتطوير هذه الصناعة في ظل انعدام الحماية، فأي تاجر يستطيع استيراد الصابون من الخارج بدون ضوابط.

مراكز لحفظ التراث

لعبت صناعة الصابون دورًا في نهضة نابلس تجاريًا واقتصاديًا، وباتت رمزًا من رموز نابلس التراثية، وها هي اليوم تعود من بوابة التراث لكن من زاوية مختلفة.

فبعد سنوات طويلة من الإهمال والإغلاق، عادت مصابن نابلس لتفتح أبوابها كمتاحف حية تستضيف زوار المدينة وأبناءها، وتطلعهم على تراث الآباء والأجداد.

مصبنة عرفات كانت أول تلك المصابن التي دبّت الحياة بها من جديد، وأعيد افتتاحها كمركز ثقافي.

ويقول المهندس نصير عرفات مدير جمعية اللجنة الأهلية لمحافظة نابلس، إن الصبانة التي تملكها عائلته رممت في عام 2004 بمبادرة عائلية من خلال مؤسسة الشيخ عمرو عرفات، وكانت أول مشروع من نوعه في ذلك الوقت الذي كانت نابلس تئن فيه تحت وطأة الاجتياحات.

ويحتضن مبنى صبانة عرفات الآن مركز إحياء وتنمية التراث الثقافي في البلدة القديمة، والذي يضم عدة أنشطة وبرامج، فهو يحوي متحفًا لصناعة الصابون يعرض كل الأدوات التي كانت تستخدم في تلك الصناعة قديمًا، بالإضافة إلى أجنحة لحرف تقليدية أخرى.

كما يضم المركز قاعة متعددة الأغراض لإقامة معارض فنية وحرفية، تحمل اسم الفنانة عفاف عرفات، ومكتبة للأطفال ومكتبة متخصصة للفن والعمارة تحمل اسم سبأ عرفات، وهما ابنتا الراحل الشيخ عمرو عرفات.

ويضم المركز أيضًا ورشة للسيراميك بإدارة الفنانة نسرين برغوثي عرفات، وتعقد ورشات للصناعات التقليدية بشكل دوري مثل صناعة السجاد، والغزل، والنسيج، وتصنيع الصابون التقليدي والتجميلي.

كما يستضيف المركز أي نشاط فني أو معارض حرفية تقليدية للمساعدة في تسويق تلك المنتجات.

وتربط المركز علاقة شراكة مع العديد من المؤسسات الثقافية، مثل مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي لتشجيع القراءة، وجمعية اللجنة الأهلية لإقامة النوادي الصيفية للأطفال، واستضافة دائمة للزوار المحليين والأجانب والرحلات المدرسية، وعرض أفلام وثائقية.

جهود أخرى بذلت لإحياء مصابن نابلس، كان آخرها مصبنة كنعان في حارة الياسمينة، والتي أعيد افتتاحها مؤخرًا لصالح أنشطة جمعية المركز الثقافي الاجتماعي.

IMG_0049