عيد ميلاد معلق!!

بقلم: الأسير سامح الشويكي

أمم الأرض كلها بأعراقها وأجناسها وثقافاتها وأديانها السماوية وفلسفتها الأرضية كلها وعلى طريقتها لها عيد ميلاد جماعي وفردي.

ولنترك الحديث عن الجماعة للحديث عن الانسان كوحدة قائمة بذاتها، فكل إنسان في عالمه مناسبات وأعياد وحوادث كئيبة تركت في نفسه الندبات لتتحول هي الأخرى بتكرار تاريخ حدوثها الى طقوس وذكريات.

ومحور الهمس في هذا المقام هومناسبة عيد الميلاد للذكور والاناث والمقصود هنا الاحتفال بتلك اللحظة الزمنية الخاصة التي يخرج منها الطفل مغادراً ظلمات رحم أمه بعد شهور تسعة تزيد أياماً وتنقص أياماً، ومع خروجه يبدأ العد التنازلي في ساعة زمنه البشري، في كل عام يصادف التاريخ في ساعة مولده ويأتي اليه المهنئون او المواسون. بذا اقتضت الطقوس التي نحتتها لنفسها الأمم والشعوب وعادة ما ترافق هذه الطقوس موائد الحلوى والشموع وكلمات المجاملة من قبل كل عام وانت بخير، كل عام وانت حبيبي، وانت في صحة جيدة، وانت في دفء زوجتك وأولادك ، وانت الى الله أقر بايمانك، وعقبال 120 وغير ذلك من الكلمات اللطيفة.

وهناك من يستقبل هذه الذكرى بندب حظه بخسارة عام من عمره فيقيم لخسارته هذه مراسم جنائزية خاشعة صامتة في بيت وجدانه وبحضوره فقط فيكون في هذا البيت الواعظ والمعزي في آن، وهكذا تتقلب الأيام بأصحابها وتمضي الأعراف والتقاليد والطقوس على سكان كوكب الأرض دون انقلابات حادة عليهم سوى من يد الأقدار التي تضع حدا لمطرقة الموت الثقيلة التي تسحق ساعة الزمن لمئات الآلاف من البشرية سنويا بانفصال الروح عن الجسد بانفصال موجع،.

ولكن ماذا عن الأسرى والمعتقلين خلف الجدران والقضبان في هذا العالم، أصحاب القضايا العادلة والرسالة السامية ؟ وماذا عن الأسرى الفلسطينيين بالتحديد في سجون الاحتلال الصهيوني؟ ماذا عن زمانهم وأعمارهم وسنواتهم ؟؟؟ وكيف تمضي الأيام داخل السجون وزنازينها ؟؟ وماذا عن أعيادهم ؟؟ وهل يحتفل الأسير الفلسطيني بعيد ميلاده ؟؟ أم هم من صنف من يندب عام عمره الذي مضى عليه مخطوف عن الحرية ؟؟

في حقيقة الامر لم يكن لدي إجابة على هذه التساؤلات من بعد مضي 15 عاما على إعتقالي في سجون الاحتلال، بل إختطافي، وللحقيقة أيضا ترامى على مسامعي في هذه الرحلة الشاقة والجامدة في مكانها من خلال ما يصل إلينا من إذاعات محلية فلسطينية من يقدم التهاني لهذا الأسير او ذاك بمناسبة عيد مولده ولكن لم يكن ذلك يستدعي إهتمامي تفكيراً او مناقشة حتى وقعت خلال ايّام اربعة هي بدايات شهر كانون الاول من عام 2018 حادثتان مختلفتان بمناسبة واحدة وهي مناسبة عيد الميلاد، اما الحادثة الاولى فقد وصلتني رسالة مكتوبة وهي فريدة بمعناها من إبنة عمي التي تركتها يوما طفلة صغيرة وقد أنضجتها الأيام لتغدو على ما فهمت ملاك رحمة تطيب آلام الجرحى والمرضى ومن خارت قواهم وقد جاء في مضمون الرسالة انها احتفلت بعيد مولدها القريب بأيام من ذكرى مولدي الذي احتفلت به مع العائلة أيضا ثم فاضت بأمنيات الخير لعله يصيب شيئا مني في قادم السنوات في ظل حرية مرجاه .

اما الحادثة الثانية فبدأت حين وقعت عيني وقت أذن لها على نص رسالة هي الاخرى مقتضبة للصديق الاستثنائي الجديد في عالمنا المضغوط بجهاته الست وهو احد عمداء الأسرى الفلسطينيين الأخ ناصر ابو سرور وقد تفاعل مع عائلته التي احتفلت هي الاخرى بذكرى مولده في نهايات تشرين الثاني 2018 . مما جاء في رسالته "انا أقيس عمري بالأشياء الجميلة التي تكبر في داخلي" الى ان وصل لقوله "ها قد صرت عجوزا شابا ،، أشيائي تكبر وانا لا ازال أراها بعين طفل". وقد تركت في ذهني هاتان الحادثتان الأسئلة من صوابية انزال ومحاكاة طقوس من هم خارج السجن علينا، وهل فعلا يوجد للأسرى ذكرى لعيد ميلادهم تأتيهم كل عام في زنازينهم ثم تغادرهم الى موعد ؟؟؟ ثم كيف نتفاعل مع رسائل عائلاتنا واصدقائنا عندما يبعثوا لنا ليذكرونا بذكرى عيد ميلادنا السنوي وإنهم قد احتفلوا بها ؟؟؟ وقد استحضروا حولهم ارواحنا وبعض الصور؟؟؟ والسؤال الاهم، هل تخرج الاعوام وتغادر اجساد واعمار الاسرى كما تفعل مودعة صاحبها في عوالم من هم خارج السجن في احتفالية عيد مولدهم؟؟؟

ان وقع مسيرة الحياة وتقلبات الفصول ومعاينة الشمس وصباحها والليل وفجره والتفاعل الإنساني وما ينتج عنه بإنجاز لحركة التاريخ لهذا كله تغادر الأعوام اجساد البشرية طيعة سلسة دون اجتثاث ... ولكن في عالم الأسر القبيح بعيدا عن عجلة التاريخ وما تنتج عنها من احداث وتشابكات وتناقضات ،، فهل يمكن لمثل هذه المغادرة والخروج للسنوات في اجسادنا ان تتم ؟؟؟ نحن في عالمنا المضغوط لا تأتينا غالبا ذكرى ميلادنا الا طبقا زخرافا في أحلامنا الشحيحة وقد غالبنا النعاس إرهاقا من ثقل المكان، ونحن نرى كذلك الخروج ومغادرة الأشياء المعنوية من كياناتها مع علامات بادية واضحة كعلامة الولادة وخروج الطفل من رحم أمه وقد استقبلته الدنيا بألوانها ،،، وعلامة النباتات وخروج ساقيها ربيعا وأزهارا الى سمائها وعلامة النور خروج الشمس الى بواكيرها لتبدا دورة الحياة ... وعلامة الضوء السماوي خروج البدر من عباءة غيم وأمطار... وعلامة أسمى التضحيات خروج الدم دفاقا من أوردة الشهداء لطهر قضية... وعلامة النصر المظفر خروج الغزاة دحرا من ديار مقدسية ومقدسة .. وهكذا فاذا كان للخروج علامات وإشارات هل بالإمكان ان تخرج الأعوام منا في ذكرى ميلادنا ونحن ها هنا محاطون بالجدران والأسلاك الشائكة الذكية ؟؟؟ ولكنها اذا فعلت على كل حال فانها طقوس تطوف في ضيق المكان ثم لا تجد سبيلا لخروجها وسرعان ما تعود لتختبىء فينا من وحشة المكان وظلمته . ان أعمارنا التي ما خرجت منا كانت كما الأرواح والأساطير القديمة التي اصابتها لعنة شيطانية تجعلها معلقة في مجاهيل سحيقة ممنوعة وهي مقيدة بأغلال ثقيلة من التحليق والوصول الى فردوسها .

وعلى هذه الحالة فان الأسير الفلسطيني يحمل سنوات عمره فوق ظهر قلبه المنحني تعبا من ثقلها لانها باختصار ترفض الخروج والمغادرة لان قواعد المكان لا تسمح بذلك وهذا ابشع صور التنكيل والتعذيب التي يمكن ان تتحدث عنها البشرية يوما ما في مجمع العدل الإلهي الأزلي .

وعلى الجانب الاخر هناك من الأسرى من يرى هذا الرفض لمغادرة سنوات العمر من اجسادنا ميزة استثنائية وقدرا منصفا بحق من أراد السجان سلب أعمارهم، فإذا بهم يحتفظون بها رغما عنه لسنين من الزمن . وهناك من يرى منا بتكدس سنوات عمره في جوفه لعنه وشر عذاب ومن يرى انها نعمة وقدر غالب .

دار حديث بيني وبين والدتي قبل أعوام من رحيلها الى عالم الخلود، اذ قالت لي في احدى زياراتها:. "بان الأسرى من حولي خاصة من انقضى على اعتقالهم سنوات طويلة لا تبدو عليهم ملامح الهرم رغم تقدمهم في السن لا زالوا شبابا يافعين بطلتهم ونضارتهم على الأغلب".

عقبت متسائلة: "ولكن لماذا عندما يخرجون من السجن تظهر عليهم فجاة ملامح الهرم وتجاعيد الزمن بعد ايّام فقط من مغادرتهم السجون الى الحرية ؟؟؟" الواقع لم يكن عندي جوابا على سؤالها الغريب وكنت اراوغها ببعض العبارات الملتبسة، ولكني اليوم يا والدتي ادرك كم كنت ثاقبة النظر وانت ترصدين ببصيرة وحكمة هذه العلاقة الخفية المبهمة بيننا وبين أعمارنا والتي قالت اخيرا انها ترفض الخروج منا وأنها في سجون الاحتلال تتجمد فينا تتكيف فينا، تتحجر فينا، تختبىء بين طبقات جلودنا لانها تخشى الخروج منا .

سنوات أعمارنا في السجون تنتظر مثلنا تماما ساعة الانعتاق من جحيمها حتى تنطلق منا ،، تغادرنا بسرعة وقد تخلصت هي الاخرى من قيدها الثقيل وعندئذ تندفع من فوق النهر قلوبنا المتعبة من حملها لتلتحق على عجل بقافلة الزمن وعند حدوث ذلك فقط نستقبل التهاني ،، او التعازي بذكرى ميلادنا مع الشموع والطقوس والدعاء بطول العمر وسيكون لعمرنا ونبضنا وسنواتنا وتجاعيدنا معاني وبعض أمل .