تعليم فوق الانقاض

بقلم : اللواء بلال النتشة

لم تكن عملية هدم مبنى مدرسة "الرازي" الشاملة في منطقة رأس خميس بمخيم شعفاط شمال القدس المحتلة الاسبوع الماضي ، مفاجأة صادمة لنا بقدر ما كانت بمثابة أمرمتوقع وغير مستغرب من سلطات الاحتلال التي تصل الليل بالنهار في وضع الخطط والسياسات الرامية الى تجهيل ابنائنا ومنعهم من حقهم في التعلم المكفول لهم في جميع القوانين الدولية .

لكن الامر بتقديري كان مفاجئا للاحتلال ذاته الذي ذهل جنوده من اصرار اؤلئك الاطفال والزهرات واليافعين على الدراسة حتى نهاية العام الاكاديمي الحالي ولو حتى فوق الانقاض ، رافضين كل محاولات افشالهم اكاديميا لانهم يعتبرون العلم هو السلاح الامضى في مواجهة عدو يحارب كل ما هو فلسطيني على هذه البسيطة .

لقد كان مشهد الزهرات والاطفال وهم يرفعون لافتات تطالب بحقهم في التعليم خلال اعتصام رافض لعلمية الهدم أقيم على انقاض المدرسة المدمرة المبنية على ارض تابعة لوكالة الغوث الدولية " أونروا" ، يعبر عن ارادة فلسطينية فولاذية تحمل رسالة واضحة للاحتلال مفادها : " لن تهزمونا ولن تكسروا فينا روح التحدي والصمود فنحن هنا ولدنا وهنا سنموت وهنا سنزرع الامل وهنا سينبت زهر العلم ."

وهو ذات الامر الذي يؤكد عليه باستمرار وزير التربية والتعليم العالي الدكتور صبري صيدم الذي رغم منعه من الوصول الى القدس الا انه أقام مدارس "التحدي والاصرار" كي تكون سدا منيعا امام محاولات الاحتلال الدؤوبة لاسرلة التعليم الفلسطيني ، فله منا كل التقدير والدعم على هذا المجهود الوطني العظيم الذي يرسخ وجود السلطة الوطنية ومنظمة التحرير في قلب العاصمة كونها الممثل الشرعي والوحيد لكل شعبنا في الوطن والشتات وهذه ايضا مسؤولية كل فصائل العمل الوطني في القدس والتي تتمثل بحماية المنظومة التعليمية الفلسطينية وتطويرها والحيلولة دون تمرير المخطط الاحتلالي .

نعم ... ان رسالة الطلبة وهم يرفعون بأياديهم الناعمة شعارات تنادي العالم الحر برفع الصوت عاليا في وجه الاحتلال وجبروته ، هي رسالة يجب ان تلقى الاذان الصاغية والارادة الحقيقية من كل ذي ضمير حي لتغيير الوضع القائم في القدس على الصعيد التعليمي تحديدا كوننا نتحدث عنه في هذا المقام ، فاسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال تريد ان تفرض على المدارس العربية في المدينة المقدسة ما يسمى بالمنهاج الاسرائيلي لغسل ادمغة ابنائنا وتذويب هويتهم الفلسطينية .

كما تمارس هذه الدولة ابشع سياسة عنصرية بحق تلك المدارس لرفضها التجاوب مع ما تريده البلدية بخصوص المنهاج . ولا أدل على هذه السياسة اكثر من النقص الكبير والمتعمد في الغرف الصفية والذي يقدر بنحو 3500 غرفة في المدارس العربية على عكس نظيراتها الاسرائيلية التي ينعم طلابها بحياة واجواء تعليمية عصرية .

والجدير بالذكر إن نقص الغرف الصفية في مدارس القدس وصغر مساحتها حسب دراسة حديثة أدى إلى نتيجة متوقعة وهي اكتظاظ الطلبة فيها وهذا يحول دون توفير بيئة تعليمية جيدة لهم ، كما يحد من استيعاب المدارس للطلبة من عام إلى عام, حيث تتراوح نسبة الزيادة الطلابية في العام الدراسي الواحد من 5-8% . وقد بينت احدى الدراسات التي صدرت عن وزارة التربية والتعليم العالي مؤخرا ، ان حوالي 41% من المدارس في القدس تعاني من هذه المشكلة .

كما تشير الاحصائيات الحديثة الى أن نسبة عالية من مدارس مدينة القدس تعاني من نقص في المباني الصالحة للاستعمال التربوي وذلك بسبب صعوبة توفير الأرض المناسبة لغايات البناء المدرسي وهي محدودة جراء تصنيف الأراضي غير المبنية في القدس "كأرض خضراء" وهي أراض يمنع البناء فيها حسب قوانين الاحتلال الظالمة كما ان هناك صعوبة ان لم يكن من المستحيل الحصول على رخص بناء من اللجان المختصة في بلدية الاحتلال وكذلك مصادرة أراض لصالح التوسع الاستيطاني على حساب بناء مدارس في الاحياء والقرى والبلدات الفلسطينة في القدس. ومثال على ذلك مصادرة قطعة ارض كانت مخصصة لبناء مدرسة شاملة عليها في حي جبل الزيتون اذ تم مصادرتها لصالح المستوطنين اليهود، كما صودرت مباني المدرسة التي تم بناؤها في حي واد الجوز لصالح مدرسة دينية يهودية تدعى "عطيرت كوهنيم" والتي تحمل نفس اسم الجمعية الاستيطانية الضخمة التي تشتري عقارات في المدينة المقدسة. وهو الامرالذي حال دون بناء مدارس جديدة في المدينة لاستيعاب الاعداد المتزايدة من الطلبة بشكل سنوي .

وبالعودة الى اعتصام الطلبة على انقاض مدرسة " الرازي" الشاملة ، فقد استمعت الى الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الاقصى المبارك رئيس هيئة العلماء ، وهو يؤكد ان الاحتلال لن ينجح في سياسته الهادفة الى تجهيل ابنائنا داعيا الى ممارسة العملية التعليمية فوق الانقاض كتحد للاحتلال وجرافاته التي هدمت مدرسة مؤلفة من ثلاثة طوابق فشرد طلابها ال"1400" في العراء . وانا أردد من خلفه قائلا :" نعم لن تفلح سياسة التجهيل الاحتلالية ولن تنتصر على ارادة اطفال مخيم شعفاط الذي يدفع ثمن صموده في القدس من دم أبنائه ولحمهم .

ان الرسالة التي اريد أن أوجهها الى أهلي وربعي في مخيم شعفاط ، مفادها : انكم لستم وحدكم في معركة الصمود والتحدي . وأن كل محاولات الغاء صفتكم كلاجئين وجعل المخيم حيا من احياء المدينة في اطار عملية الغاء وجود " الاونروا" في القدس وهو ما تشمله صفقة القرن - العار- ، لن تفلح طالما ان الرئيس " ابو مازن" والقيادة الفلسطينية يصلان الليل بالنهار في الدفاع عن حقوقكم بصمت ودون "مهرجانات" لان هذه القيادة لا تسعى الى الرضى الجماهيري بقدر ما تعمل على صون كرامة الانسان الفلسطيني ونيل حقوقه المشروعة والحفاظ عليها ، كما انها لن تقبل بالغاء وجود وكالة الغوث في القدس واغلاق مكاتبها بل تعمل على تكريس وجودها لانها الشاهد الملموس على نكبة شعبنا في العام 1948 وعلى بقاء قضيته العادلة حية في الوجدان العالمي .

اننا معكم نشاطركم الالم والامل وسنبني ما هدمه الاحتلال ولن نبقي ابناءكم في العراء رغم انهم قرروا الدراسة فوق الانقاض وهي الخطوة الشجاعة التي نباركها وندعمها ونطالب الفصائل الوطنية ايضا كونها تمثل منظمة التحريرالفسطينية ، بتعزيز هذه الخطوة التي تلقى اعتزاز وفخر رأس الشرعية الفلسطينية الرئيس محمود عباس " ابو مازن"، وكونوا على ثقة بأن قضيتكم في أيد أمينة وأن بوصلة الرئيس متجهة نحو القدس ولن تنحرف قيد أنملة مهما اشتد الحصار ومهما بلغ حجم الضغوط . وسيظل مخيم شعفاط عنوان الصمود والكرامة والتضحيات والذي نكن له كل الاحترام والتقدير والحب .