نيوزيلندا تذرف دمعتين ووردة

- قصص وحكايات موجعة لشهداء فلسطين

- حتى في "نيوزيلندا"... ولا يدري الفلسطيني في أيّ أرض يُقتل؟!

- خطيب المسجد يروي تفاصيل الفاجعة

- "الهاكا" رقصة سكان نيوزيلندا الأصليين تضامنًا مع أسر الضحايا

- مذيعات الإنسانيّة


رام الله - "القدس" دوت كوم - ربما لم يخطر في بال الفلسطيني علي الساحوري، كما الفلسطينيين عبد الفتاح الدقة، أسامة أبو كويك، كامل درويش وعطا محمد عليان، ربما لم يخطر في بال الشهداء الخمسة الذين واظبوا على أحلامهم في العودة إلى فلسطين والموت فيها (وربما لم يخطر لدى عائلاتهم، أيضًا) أن الفلسطيني يطارده الموت قتلًا، حتى ولو في "نيوزيلندا"!

قالت عائلة الشهيد علي محمود الساحوري الذي ولد عام 1953 في "زعترة" جنوب شرقي بيت لحم ودرس في جامعة "بغداد"، أنه كان أمضى اعتقالًا في سجون "إسرائيل" لمدة ستة أشهر قبل أن يتخرج من الجامعة، فيما عمل في "معهد البوليتكنك" في العاصمة الأردنية عمان لمدة عامين، ثم عمل في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل السفر إلى "نيوزيلندا" عام 1998، حيث قُتل، إلى جانب الشهداء الأربعة الآخرين، برصاص الغدر على يد أحد الإرهابين أثناء تأديته صلاة الجمعة يوم 15 الشهر الجاري في "مسجد النور" بمدينة "كرايست تشيرشت".

WhatsApp Image 2019-03-26 at 9.26.30 AM

ما يوجع عائلة الشهيد "الساحوري"، كما قالت لـ"القدس دوت كوم"، أن أحلامه في العودة إلى "زعترة" سوف تدفن معه هناك في أقصى العالم، وهو الوجع ذاته الذي تكابده عائلة الشهيد عبد الفتاح الدقة من بلدة عرابة (جنين) وبناته الثلاث اللاتي يعشن شتاتًا فلسطينيًا نموذجيًا، حيث الكبرى متزوجة وتعيش في العاصمة البريطانية "لندن"، فيما تعيش الثانية في استراليا، بينما تعيش الثالثة إلى جانب والدتها تباريح الفقد في "نيوزيلندا" التي ما كانت العائلة تتوقع أن الموت سينقض على حياتها على هيئة وحش أكل حياة ضحاياه كما لو أنه يؤدي "رسالة موت" كان نذر حياته لأجلها!

خرج ولم يعد!

قال عبد الرحمن الدقة شقيق الشهيد عبد الفتاح في حديث مع "القدس دوت كوم": حين عرفت عن المذبحة التي ارتكبها الإرهابي بمسجد في "نيوزيلندا" عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، شعرت بقلق كبير، لا سيما وأنني أعرف أن أخي يقيم في نفس المدينة ويؤدي الصلاة في المسجد ذاته.. وحين تواصلت مع أسرته أخبروني أنه "غائب منذ أربع ساعات عن المنزل ولم يعد حتى الآن"!

WhatsApp Image 2019-03-26 at 9.24.28 AM

كان لطيفًا ومُحبًّا لعائلته

من جهتها، قالت عائلة الشهيد المهندس في مجال الاتصالات أسامة أبو كويك (أب لثلاثة أطفال) التي تعيش في غزة منذ هجرت من مدينة اللد إثر النكبة الفلسطينية عام 1948 – قالت إن استشهاد أسامة "بعيدًا .. بعيدًا عن فلسطين" نكأ من جديد قصة العائلة مع الموت قتلاً بالرصاص، ذلك أن جدّه المقاتل كان استشهد في حرب النكبة، مشيرة إلى أن الحفيد الشهيد الذي كان يعيش مع عائلته في مصر أتم عامه الـ 39 قبل أن يطال حياته العمل الإرهابي بمسجد النور في "نيوزيلندا"، فيما لفت ابن عمه يوسف أبو كويك الذي شبّه المذبحة في "مسجد النور" بالمذبحة التي اقترفها الجندي والمستوطن الإسرائيلي "باروخ غولدشتاين" في الحرم الإبراهيمي بالخليل - لفت في حديث مع "القدس دوت كوم" إلى أن الشهيد أسامة "كان شابًا خلوقًا ولطيفًا مع الجميع، ورغم أنه لم يعش في فلسطين إلا أنه كان فلسطينيًا حدّ النخاع، وواظب على زيارة غزة.. وكان يتصل بعائلته وأهله ويسأل عنهم على الدوام".

WhatsApp Image 2019-03-26 at 9.22.37 AM(1)

كان معلّمًا ورسّاما

أما رنا خليل فرج زوجة الشهيد كامل درويش التي تعيش وأطفالها الثلاثة في الأردن، فقد أشارت إلى أن زوجها الذي لم يُتم عامه الـ 39 حيّا، كان عمل معلمًا ورسامًا معماريًا في الأردن، ثم (قبل سفره إلى "نيوزيلندا" بغرض العمل قبل ستة أشهر) كان عمل لدى شركة في السعودية قبل أن تنهي الأخيرة عقودها مع الموظفين تباعًا، مضيفة بصوت كان يفيض بحشرجة البكاء "طوال عمرنا نحلم بأن نجمع ثمن بيت ونشتريه في فلسطين نعيش به أنا وهو حين نصبح عجوزين، كنا نحلم ونرى آخر الطريق بهذا الشكل"!

Screen Shot 2019-03-26 at 10.23.07 AM

قال إياد فرج، وهو أحد أقارب الشهيد كامل درويش: لم نكتشف أن كامل قضى شهيدًا بـ"مسجد النور" إلا بعد يومين.. هذا قدرنا كفلسطينيين؛ أن نعيش ضحايا لمتعصبين وإرهابيين وعنصريين"، مضيفًا أن الشهيد "كان بكى حين زار القدس و"المسجد الأقصى" خلال زيارته الأخيرة إلى فلسطين بغرض إنجاز أوراق رسمية لأحد أطفاله". فيما قالت سمر درويش لـ"القدس دوت كوم" إن شقيقها الشهيد الذي ولد في 5 أيلول عام 1980، كان يعمل في منطقة ريفية تبعد ساعتين من السفر عن "كرايست تشيرتش" في "نيوزلندا" التي حصل فيها الهجوم الإرهابي، لكنه اعتاد الذهاب إليها لأن شقيقه زهير درويش يقيم فيها، وأيضًا لأجل تأدية صلاة الجمعة بالمسجد كون المنطقة الريفية حيث كان يعمل لا يوجد فيها مسجد؛ موضحة أن شقيقه زهير "كان في حالة من التخبط ولم يستطع الحصول على معلومات عن أخية، حتى ظهيرة يوم السبت حين تم الاتصال به وإعلامه أن كامل لم يكن بصفوف المصابين، بل كان واحدًا من الشهداء"!

وتضيف سميرة، في سياق الحديث عن حياة شقيقها الشهيد، أنه كان أنهى دراسته الجامعية في العراق، وحصل على درجة "البكالوريس" في الرياضة لكنه لم يكمل السنة الثانية من "الماجستير" بسبب الحرب الأميركية على العراق.. وكان معلمًا للرياضة في الأردن، لكن طموحه قاده لاحقًا لدراسة الرسم المعماري؛ ليحصل على "دبلوم" رسم معماري ويعمل، إضافة لمهنة التدريس، في مكتب هندسي؛ "لأجل تحسين مستوى معيشة أسرته التي تضم، إضافة إلى زوجته، ثلاثة أطفال أكبرهم محمد (8 أعوام) ولين (6 أعوام) وأحمد الذي لم يكمل عامه الثالث بعد.

حارس المرمى النيوزيلندي

في الإطار، قال إبراهيم حماد عليان ابن عم الشهيد عطا محمد عليان، وهو نجل المصاب في المذبحة المروعة الدكتور محمد عليان مؤسس المسجد في "كرايست تشيرتش" – قال لـ"القدس دوت كوم" إنه علم عن المذبحة في "مسجد النور" من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتواصل العائلة مع بعضها البعض، موضحًا أن الشهيد عطا عليان (33 عامًا) هو أحد أبناء أسرة مؤلفة من خمسة أفراد، وهو من مواليد الكويت، فيما استقرت الأسرة في "نيوزلندا" عام 1992، لافتًا إلى أن الشهيد درس هندسة البرمجيات ويدير شركة خاصة بخ، وكان شابًا ناجحًا في عمله، كما كان لاعبًا في المنتخب النيوزلندي لكرة القدم.

Screen Shot 2019-03-26 at 10.21.44 AM

إلى ذلك، قالت عائلة الشهيد "عليان" إن إصابة والده إثر المذبحة المروعة في الرأس، كما تسببت في وجود تهتك في عظام الكتف، وهو يرقد الآن على سرير الشفاء بعد أن أُخضع لعدة عمليات جراحية.

جاسيندا أردرن بكامل أناقتها الأخلاقيّة

وسط عتمة الوجع وتباريح الفجيعة المدوية أطلت إنسانة بكل ما في الكلمة من معان ودلالات، بلسمت جراح المصابين، وجبرت خواطر المكلومين من هول المصاب الجلل على نحو يبعث على الفخر والاعتزاز بسيّدة الإنسانية رئيسة وزراء نيوزيلندا "جاسيندا أردن". حتى إن أحد المغردين قال "أحسب أن بين هذه الإنسانة والإنسانية صلة قرابة"!

FotoJet (1)

مذيعات الإنسانية

بدت مذيعات النشرات الإخبارية في محطات التلفزة النيوزيلندية بارتدائهن الحجاب خلال تقديمهن النشرات الإخبارية أثناء مواراة الشهداء الثرى في الجمعة النيوزيلندية الحزينة، قطعة من الإنسانية، بينما أضفى مشهد الحجاب على رؤوس النساء النيوزيلنديات اللائي تابعن الوجع، مسحة بالغة الدلالة على مشهد الفجيعة المكلل بالورد، وكان بمثابة درس في الإنسانية لكل من يهمه أو لا يهمه الأمر؛ وكأن نيوزيلندا تذرف على الضحايا دمعتين... ووردة!

FotoJet

"الهاكا" رقصة سكان نيوزيلندا الأصليين تضامنًا مع أسر الضحايا

تعبيرًا عن ألمهم وتضامنهم مع أُسر الضحايا أدى النيوزيلنديون رقصة "الهاكا"وهي رقصة حرب قديمة وعادة تقليدية موروثة كان يمارسها المحاربون القدامى من الماوريين، سكان نيوزيلندا الأصليين، قبل المعارك لترهيب العدو.

تؤدى رقصة الهاكا بالاعتماد على الأوضاع الجسدية، بشكل جماعي، مع حركات عنيفة وضرب الأرض بالأقدام مصحوبة بصيحات متناغمة مع الحركة، إلى جانب الإنشاد، الذي تتخلله صيحات وأصوات.

لكن لاحقًا أصبحت الرقصة تستخدم لأغراض أخرى كما في حفلات الزفاف والجنازات والاحتفاء بالإنجازات العظيمة فضلاً عن المباريات الرياضية، خاصة فريق الركبي All Blacks النيوزيلندي.

WhatsApp Image 2019-03-26 at 9.25.36 AM(1)

خطيب المسجد يروي تفاصيل الفجيعة

يقول خطيب المسجد إبراهيم عبد الحليم (67 عامًا) وهو مصري الجنسية، عن اللحظات الصعبة إنه بينما كان يلقي خطبته بحضور نحو ثمانين مصليًا سمع صوتًا لم يعتد سماعه من قبل في هذه المنطقة.. صوت قادم من بعيد يقترب تدريجيًا.. هو صوت أقرب إلى صوت الرصاص، لكنه لم يكن متأكدًا منه.

بيد أنه سرعان ما أدرك أنها طلقات رصاص، ولذلك فكر أن ينهي الصلاة بسرعة، خصوصًا مع اقتراب صوت الرصاص. قبل أن يهشّم الرصاص نافذة المسجد وأصاب بعض المصلين الذين بدأوا بالصراخ، وانكفأوا فوق بعضهم البعض أكوامًا كيفما اتفق"، بحسب رويترز.

وفي الأثناء، شاهد عبد الحليم ابنه لكنه لم يستطع الوصول إليه حيث كان يرقد، لكن عند الحاجز الذي يفصل القاعة عن مصلى السيدات، ثبتت زوجته في مكانها بعد إصابتها بطلقة في ذراعها، في حين اخترق الرصاص جسد صديقة لها كانت تجلس بجوارها فقتلها.

وفجأة أخذ الخوف يتسرب إلى قلب عبدالحليم، في أرض الأمان، خشية أن يشهد مقتل أسرته أمام عينيه.