الأردن والقدس: ما الجديد ؟

بقلم: د.باسم الطويسي

أصبح من الواضح أن اسرائيل تنفذ مصفوفة متوالية من الأزمات المتتابعة حول الأماكن الدينية في القدس الشرقية وتحديدا المسجد الأقصى ، وليس من المتوقع ابدا أن تكون أزمة باب الرحمة آخرها ، بل استمرارا لنهج من المتوقع أن يتصاعد ويأخذ مداه خلال الاشهر القادمة بهدف تحقيق التقسيم الزماني والمكاني لـ”الأقصى”، وفي كل هذه الأزمات يجد الأردن نفسه وحيدا في مواجهة التحدي الإسرائيلي الذي بات واضحا أنه مدعوم ببرنامج سياسي أميركي هو الأخطر في تاريخ الصراع .


المواجهة الأردنية تأتي وسط مساحة محدودة للمناورة ، وضعف عربي غير مسبوق ، بل وتماه عربي في الخطة الأميركية ، وضعف فلسطيني داخلي مع استمرار حالة الانقسام .


الأردن اليوم الرسمي والشعبي أكثر تماسكا من أي وقت سبق ، واكثر وضوحا سياسيا واستراتيجيا في هذا الملف ما يتطلب مراجعة سياسية وإعلامية تنسجم مع هذا التماسك والوضوح حتى لا نصحو في يوم على وقائع صادمة أو يكتشف أن مياها تجري من تحت أسوار المدينة دون أن يأخذ خبرا أو علما من أحد ، قد يحدث ذلك في الوقت الذي تعيش فيه القضية الفلسطينية أضعف حالتها فيما تتراجع مكانة الدفاع عن القدس في الخطاب السياسي للعالم الاسلامي المنقسم بصراعاته ، كما هو الحال في تعاظم المخاطر التي تهدد الهوية الثقافية للمدينة والهجمة غير المسبوقة من قبل اليهود المتطرفين الذين اصبحوا جزءا من السلطة في تل ابيب .


لقد تطور الخطاب السياسي الأردني تجاه القدس وفق محددات مراحل الصراع والتسوية وانتقل من خطاب التمسك بالسيادة على القدس والمسؤولية الشرعية والقانونية عنها إلى المطالبة الواضحة بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والالتزام بتسليم الفلسطينين للادارة الدينية للمواقع المقدسة في ترتيبات الحل النهائي ، وفي كل المراحل حافظ الخطاب السياسي الأردني على أكثر الثوابت استمرارية والمتمثلة بالوضع القانوني للمدينة والدفاع عن هوية القدس الثقافية، المتمثلة في حماية تراث المدينة المقدسة الإسلامي والمسيحي، وحماية الهوية الديمغرافية فيها إدراكاً بأن مسألة الهوية في نهاية المطاف ستقرر مصير المدينة المقدسة.


هل الخطاب السياسي في مسألة الولاية الدينية قابل أن يشهد تحولات خلال الفترة القادمة ؟ هذا وارد في سياق معادلة القدرة والإرادة التي تتحرك وفق ثلاثة مبادئ وهي : المصالح الوطنية الأردنية ، والالتزام الأردني حيال الشعب الفلسطيني ومصالحه ، والمسؤولية التاريخية والدينية للهاشميين .


عمليا فقد شهد هذا الخطاب تحولات عديدة من خطاب الولاية الدينية المباشر على القدس إلى مبدأ ” لا سيادة على القدس إلا الله” والذي طرحه الملك الحسين لأول مرة بعد 1994 وفسر على أساس انه يقصد بالقدس الدينية المساحة الجغرافية التي تضم المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية والممتدة على مساحة واحد كيلو متر مربع، وتحويل مسألة السيادة عليها إلى مسألة إنسانية وعالمية ودينية، ما يعني عملياً الحديث عن ثلاث مدن تعني القدس ( القدس الغربية عاصمة إسرائيل، والقدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية، والقدس الدينية) ما قاد إلى تردد عبارة ” الدولة الفلسطينية وعاصمتها في القدس” على لسان الملك الحسين في منتصف التسعينيات لأول مرة في الخطاب السياسي الأردني ، وصولا الى خطاب الربط بين الحل الديني والسياسي ، حيث يدعو الخطاب الأردني الى منح الجانب الديني في مستقبل القدس مكانته الحقيقية باعتباره جوهر الصراع .


اليوم ، ووفق الوقائع والمعادلات القائمة ، فإن مسار النهج الاسرائيلي واضح ويذهب نحو تقسيم المسجد الاقصى فالخطاب الاسرئيلي بات يتحول الى خطاب عالمي في وصف هذا المكان المقدس ” المكان المقدس الاول لدى اليهود ، وثالث الاماكن المقدسة لدى المسلمين ” أردنيا ليس من المتوقع ان يتراجع الاشتباك الأردني مع ملفات القدس.