عن “الدول” وملوكها والرؤساء: هل العرب “يرفضون” الديمقراطية فعلاً؟

بقلم : طلال سلمان

لم يتعرف العرب إلى النظام الجمهوري بعد. انهم في مرحلة بين مرحلتين: الخلافة والنظام الامبراطوري ولو في “جمهورية “ومجلس وزراء ومجلس نيابي وسائر الشكليات.. بل أن بعض “الرؤساء” قد أمضوا في سدة السلطة أكثر من الملوك والاباطرة، الا اقلهم.

عند الرئيس ـ الملك الصلاحيات كافة: يُقيل الحكومة متى شاء، او: بالتحديد متى استشرى الفساد والظلم والفقر، والقمع بطبيعة الحال.. ثم أن مجرد وجوده، بالانقلاب، على رأس السلطة يتطلب فرض نظام الطوارئ وتكليف المحاكم العسكرية بالقضاء على القضاء.

ثم أن الرئيس ـ الملك هو الشعب: باسمه جاء، ومن اجل انقاذه يحكم، ولأجله يجدد ويمدد حتى يقضي الله امراً كان مفعولا.

ومن اجل “الديمقراطية”، أو الحرص على شكلياتها، يُقيم الرئيس ـ الملك مجلس نواب بالتعيين او “الانتخاب” الذي يشابه التعيين، ويختار لرئاسته كبير المنافقين، والذي لا يغفل لحظة عن توجيه الشكر إلى من حظي برعايته فولاه على النواب.

كذلك فلا بد من “تأمين الجيش”، وهكذا يتم اختيار قائده ورئيس اركانه وقادة الالوية من الضباط المخلصين، فاذا كانت رتبهم اقل مما يجب تمت ترقيتهم استثنائياً ليتولوها..

والقاعدة ذاتها تسري على سائر الاجهزة الامنية: قوى الامن الداخلي والمخابرات بفروعها العديدة التي تغطي الداخل والخارج وتتغلغل في السفارات والقنصليات الخ..

الاختلاف الوحيد يكاد ينحصر في اللقب: بدلاً من صاحب الجلالة المعظم يتم “احترام” النظام الجمهوري باستخدام “سيادة صاحب الفخامة الرئيس … حفظه الله”.

قد يختلف تصنيف “الشعب” فيصار إلى اعتماد كلمة “المواطنين” بدلاً من “الرعايا” او “شعبي الأمين”..

.. وفي انتظار “الانقلاب الاخر” وهو شبه مستحيل، والوفاة المفاجئة “كسقوط” الطائرة الرئاسية، مثلاً، فان البلاد تعيش في ظل الرئيس ما كتبت له الحياة.

تكاد “الجمهورية” تختفي في البلاد العربية: ثمة ممالك يتولاها “خلفاء”، او ممالك بملوك ومجالس نيابية ومجالس وزراء، وممالك بأمراء ـ سلاطين مطلقي الصلاحية، وسلطنات بسلطان يحكم حتى تحين وفاته (او خلعه، أن تيسر..)

وثمة جمهوريات خلفت ممالك، ولكن رئيسها احتفظ بصلاحيات الملك..

ومن المصادفات التاريخية ـ الجغرافية أن الممالك والامارات هي الأغنى بنفطها او غازها… اما الجمهوريات عموماً فهي الأفقر..

على أن نموذجا فريداً في بابه جاء مع العقيد معمر القذافي وذهب مع جريمة قتله الوحشية بعد حكم دام اكثر من 42 عاماً، هو “الجماهيرية”.. وقد ذهب هذا النموذج مع مبتدعه.. هذا اذا ما استبعدنا ذكر “اعدام” صدام حسين الرئيس الابدي للعراق بالقرار الاميركي والتنفيذ الطائفي المحلي لإثارة الفتنة.

وبرغم أن هذه التجربة لم تتكرر ـ كاملة مع غير القذافي من الرؤساء، الا أن جميعهم حكم بصلاحيات ملوك وأكثر، بينما الممالك حاولت الاخذ بنظام الملكية الدستورية (كالمغرب) في حين اكتفت المملكة الاكبر مساحة وسكانا والاغنى بمصادر الثروة (أي السعودية) ببدعة اسمها “مجلس الشورى”، لا صلاحيات له لمراقبة حكم.. صاحب الجلالة، وهو اشبه بالشاهد: الأخرس..

وباختصار فان لدى العرب ممالك وجمهوريات وامارات شبه ملكية ـ أكثر مما يجب، حتى لو اختلفت الالقاب بين “صاحب الجلالة” و”صاحب السمو” و”صاحب الفخامة”.

إن “الشكل” مستوفى، لكن مضمون “الجمهورية” واساس وجودها يتم تجاهلهما بقصد مقصود.. ومن هنا تتهاوى الفوارق بين الممالك والجمهوريات الا في الالقاب السامية.

على أن الممالك والجمهوريات العربية تتساوى، عمليا، في الغاء معنى “الدولة”، فتظل في الحالتين “مزرعة” لصاحبها صاحب الجلالة او صاحب الفخامة.

ربما لهذا تتبدى الدول العربية وكأنها ليست “دولاً” بالمعنى المعاصر والمعروف للدولة.. فلا انتخابات بالمعنى المعروف في العالم، بل هي في الغالب الاعم أقرب إلى “الاستفتاء” بأوراق مطبوعة ومعدة سلفاً، ومن استخدم اوراقاً كتبها بخط يده اعتبرت لاغية “لأنها مخالفة للأصول”.

“المعارضة” جريمة يعاقب عليها القانون، اذ هي عند الحاكم توازي “الخيانة”.. لا سيما إذا ما لجأ المعارضون إلى “العمل السري”، فاختفوا تحت الارض.

لهذه الاسباب مجتمعة تعيش شعوبنا حياتها في خواء من المعنى: لا أحزاب تشعرهم بحقهم في اعلان آرائهم” كمواطنين”، ولا نقابات ولا اتحادات طلابية او عمالية ترفع أصواتهم بمطالبهم المحقة وتعبر عن آرائهم في نظام حكمهم، (اللهم الا اذا كانوا من انتاج السلطة ومن اجل تعظيم الحاكم وبطانته).

وبالتالي فإن مزاعم السلطات العربية عن “الاستقرار” و”استتباب الأمن” و”القضاء على عناصر الشغب” انما هو موجه إلى الجهات الخارجية المعادية، وفي الطليعة منها الولايات المتحدة الاميركية، ومن ضمنها العدو الإسرائيلي.. بينما هي تقصد مواطنيها، اولاً وأخيراً..

.. وفي هكذا اوضاع يعيشها العرب في الاقطار التي لا بترول فيها ولا غاز، فمن الطبيعي أن تتعدد اسباب الشكوى من سيطرة مناخ القمع، فضلاً عن تناقص القدرة الشرائية والعجز عن تأمين اسباب الحياة اللائقة للعائلات.

يمكن الذهاب أبعد، كأن يقال، مثلاً، أن كل قطر من اقطار بلادنا، هو دولة الرجل الواحد.. فان هو اغتيل أو اختفى او مات على سريره ضرب الخلل اركان “الدولة” وتصدع بناؤها بما يزيد من مساحة التدخل العربي والاجنبي.

وبالتالي فلا دول مستقلة في الارض العربية، هذا إذا ما تساهلنا في تعريف “الدولة”.

لقد “استقلت” الدول العربية، واختفى “المندوب السامي” الذي كان له حق الامرة باسم بلادهم في علاقتها بمستعمراتها.. لكن رؤساء الجمهوريات المستحدثة والممالك والامارات قد فوضوا إلى انفسهم صلاحيات المندوب السامي، مع إضافة حق الحرمان من الحياة او الحقوق المدنية لرعاياهم الذين كان يفترض أن يصيروا رعايا في وطنهم بدولته المستقلة..

إن البلاد العربية، على اختلاف انظمتها، ملكية وجمهورية واماراتية، تكاد تكون “دولا بلا شعوب”.. فليس للشعوب فيها، مهما بلغت ملايينها، حقوق الشعوب الاخرى في بلادهم، حيث تقول رأيها في حكامها وحكوماتها ومجالسها النيابية والبلديات في المدن والقرى، من دون تدخل من قوى السلطة، ومن دون تزوير في قوانين الانتخاب وفي اصوات الناخبين لتأتي النتائج مطابقة لمزاج ولي الامر.

لقد ابتدعت الأنظمة العربية لعبة “الاستفتاء” بدلاً من الانتخاب، لان تزويره أسهل.. وشهيرة هي النكتة التي تفيد أن “ناخبا” انتبه ـ متأخراً ـ إلى انه وضع في الصندوق ورقة بيضاء بدل الورقة التي تحمل اسم المرشح الاوحد، وحين حاول تصحيح الخطأ فاجأه رئيس القلم بقوله: ولا يهمك.. لقد صححنا لك الخطأ!!

الخلاصة: أن العرب لا يمكن أن يتقدموا وان يحققوا أنفسهم ويحتلوا مكانهم في التاريخ طالما ظلوا محرومين من حقهم، كمواطنين، في بلادهم: هم من يقرر، وفي انتخابات حرة، ضمن نظام ديموقراطي فعلاً، أسماء الرؤساء: الدولة والحكومة والمجلس النيابي بنوابه جميعاً، وذلك من خلال احزاب حقيقية ونقابات وهيئات منتخبة تعبر عن إرادتهم الحرة ومصالحهم المشروعة، فتكون مؤسسات الحكم “شرعية” وممثلة حقيقية للشعب.

ولن يكون ثمة تقدم يمكن العرب من الانتماء إلى العصر، طالما أن إرادتهم معطلة، وأصواتهم غير مسموعة، والمعارضة ممنوعة بل قد تتحول إلى جريمة رفض للنظام والمس بكرامة كبار المسؤولين..

لا بد من الاعتراف بالشعب، صاحب البلاد، وصاحب الحق باختيار أهل الحكم فيه، بدءاً من رؤساء البلديات، إلى النواب، إلى الرؤساء .. وهو هو مصدر الثقة بالحكومات، وهو من يضفي الشرعية على الرئيس المنتخب بأصواته الفعلية والمعبرة عن ارادته حقاً.

وطالما ظل يحكمنا اصحاب جلالة وسمو وفخامة ومعالي تبعدهم ألقابهم المذهبة عن شعوبهم، فلا يستطيع الشعب التعبير عن رأيه واختيار حكامه، من البلدية إلى رئاسة الجمهورية.

ولننظر إلى الجزائر وليبيا والى ما حدث وسيحدث فيهما .. والبقية تأتي ..

وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه / نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي.

ينشر بالتزامن مع "الشروق"