توماس فريدمان: سفير أميركا في إسرائيل يروج للاستيطان أكثر من الدبلوماسية

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- نشر كاتب العامود الأسبوعي الشهير في صحيفة "نيويورك تايمز"، توماس فريدمان مقالة يوم الأربعاء (20 آذار 2019) تحت عنوان "احذروا الركائز المتداعية للشرق الأوسط"، يستعرض فيها مواقع الإخفاق والطوارئ في أوضاع المنطقة العربية، وتعاطي الولايات المتحدة في سياستها الخارجية مع هذه التطورات الخطيرة، لافتا للثغرات الكبيرة في هذه الإستراتيجية، بما فيها إقراره الضمني بتبني إدارة ترامب لمواقف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بشأن الحرب والسلم وانحيازها لهذه المواقف بشكل واضح.

ويقول فريدمان "السفير الأمريكي لدى إسرائيل (ديفيد فريدمان) -وهو محامي إفلاس سابق عمل مع دونالد ترامب- متأثر للغاية بحركة المستوطنين اليهودية اليمينية بدرجة تجعله مروجاً للدعاية (الاستيطانية) أكثر منه دبلوماسياً".

ويضيف "وثانياً، كان هناك دائماً نوع من عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي تدفع باتجاه حل الدولتين. ولكن اليوم، في الحقيقة، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل منشغلتان بالبحث عن الحل الأفضل لدولة واحدة، وهذا يعني سيطرة أمنية إسرائيلية دائمة على الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب شكل من أشكال الحكم الذاتي الفلسطيني العميق".

يذكر أن سفير ترامب في إسرائيل ديفيد فريدمان (لا توجد اي صلة عائلية بينه وبين كاتب المقال توماس فريدمان) قال في مقابلة مع الصحيفة الأميركية اليمينية "واشنطن إكزامينر" الأسبوع الماضي، بأنه "من الممكن إعطاء الفلسطينيين مزيدا من الحكم الذاتي وحرية الحركة، طالما أن ذلك يطبق دون المساومة على قضايا الأمن الإسرائيلية" وذلك شريطه أن يتخلي الفلسطينيون عن التشبث بفكرة اقتطاع القدس من جديد، بعد أن أعلن ترامب اعتراف إدارته بالقدس الشرقية المحتلة عاصمة لإسرائيل يوم 6 كانون الأول 2017 ونقل السفارة إليها يوم 14 أيار 2018 للتزامن مع يوم النكبة الفلسطينية.

واستهل الكاتب توماس فريدمان، مقاله المذكور أعلاه من العاصمة الأردنية عمان بالقول "إن سياسات الشرق الأوسط تشكلت على مدار نصف القرن الماضي من خلال خمس ركائز أساسية، ولكنها الآن تنهار جميعها، إذ يتجسد شرق أوسط جديد، لكنه ليس بالضرورة ذلك الشرق الأوسط المزدهر الذي تصوره كثيرون في تسعينيات القرن الماضي، حيث يتشكل ذلك الشرق الأوسط الجديد من خلال ما يجري تداوله على موقع تويتر (للتواصل الاجتماعي) بصورة أكبر من الدبلوماسيين الأميركيين، ومن خلال البطالة أكثر من الإرهاب، والاضطرابات في الشوارع أكثر من الزعماء في القصور، ومن خلال النساء أكثر من الرجال. لقد كان هناك دوماً مشاركة أميركية عميقة في تشكيل مستقبل هذه المنطقة؛ لكن اليوم، ليس لدى الولايات المتحدة حتى سفراء في مصر أو تركيا أو العراق أو دولة الإمارات العربية المتحدة أو الأردن أو المملكة العربية السعودية، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل -وهو محامي إفلاس سابق عمل مع دونالد ترامب- متأثر للغاية بحركة المستوطنين اليهودية اليمينية بدرجة تجعله مروجاً للدعاية الاستيطانية أكثر منه دبلوماسياً".

ويضيف الكاتب، اما ثالثاً، فقد "كانت الحكومات العربية تستطيع دوماً تأمين فرص العمل لسكانها داخل مؤسسات الدولة أو في الأجهزة الأمنية، وهي وظائف يمكن أن يتأخر الموظف في الذهاب إليها ويرحل عنها مبكراً ويعمل في وظيفة أخرى بجانبها، ولكن مع انخفاض أسعار النفط وارتفاع عدد السكان، تحاول كل دولة عربية تقريباً اكتشاف كيفية التخلص من موظفي الحكومة وخصخصة القطاع الخدمي".

ويستشهد الكاتب بما قاله العاهل الأردني عبدالله الثاني لمجموعة من الزوار العسكريين الأميركيين عن "إن ما يبقيه مستيقظاً في الليل هو شيء واحد فقط، ليس تنظيم داعش أو القاعدة، وإنما حقيقة أن هناك 300 ألف أردني عاطلون عن العمل و87% منهم تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً" مشيرا إلى اعتصامات الطلاب العاطلين عن العمل خارج قصر الملك عبد الله لأسابيع، والمسيرات الاحتجاجية في جميع أنحاء الأردن "من جانب العاطلين عن العمل، والجوعى، واليأسين" وأنه "في الوقت نفسه، بدأ العاطلون عن العمل في غزة الأسبوع الماضي /ثورة الجياع/ ضد سوء إدارة حماس الاقتصادية، واندلعت احتجاجات مماثلة في الشوارع في الجزائر والسودان ضد الحكام المستبدين الفاشلين".

وتتمثل الركيزة الرابعة، حسب فريدمان بـ "انهيار مرحلة الأيام التي كانت تتدفق فيها المعلومات من أعلى إلى أسفل فقط، والتي كان يمكن للحكومات العربية فيها السيطرة على الأصوات داخل بلدانها، ولكن مع انتشار تطبيقات (وسائل التواصل الاجتماعي) تويتر وفيس بوك وواتس آب على نطاق واسع في العالم العربي، تنتقل المعلومات الآن بشكل أفقي والسكان ينشرون الآن - باستخدام أسمائهم الحقيقية- تعليقات مهينة للغاية لقادتهم.

وأخيراً، كان باستطاعة الرجال السيطرة على النساء من خلال القواعد الدينية والثقافية والقانونية الرسمية وغير الرسمية، لكن الأمثلة البارزة الأخيرة لفرار شابات من سيطرة الذكور في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تشجع العديد من النساء العربيات اللواتي لم يعدن على استعداد للخضوع لوصاية الذكور. إلا أن الكاتب يقر بأنه "ومع ذلك، ودون تغيير قوانين الزواج والميراث والطلاق وحضانة الأطفال – وكلها تميل لصالح الرجال- لن تتمكن جميع النساء اللواتي يتفوقن في الدراسة من تحقيق إمكاناتهن الكاملة في سوق العمل، وفي الوقت نفسه، يصعب على الرجال الزواج دون وجود وظيفة. ويمثل وجود الكثير من الرجال الذين لم يتمتعوا بالنفوذ قط ولم يشغلوا وظيفة قط ولم يمسكوا بيد فتاة، وصفة للاضطرابات الاجتماعية، خاصة عندما يكون جميعهم مشتركون في تطبيق تويتر".

ويتساءل الكاتب، إلى أين سيذهب هذا الشرق الأوسط الجديد؟ ناقلا عن مروان المعشر، وزير خارجية الأردن الأسبق الذي يشرف الآن على الأبحاث المتعلقة بالشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، قوله بأن القادة في المنطقة يتعلمون أنه "لا يمكنهم الاعتماد على أدوات القرن العشرين لإبقاء السكان هادئين بعد الآن، فقد كسرت انتفاضات الربيع العربي لعام 2011 حاجز الخوف في العديد من الدول العربية، وأدى انهيار أسعار النفط منذ عام 2014 إلى خرق الميثاق المالي إذ يعلن المواطنون الآن: إذا لم تستطع أن تضمن لي وظيفة حكومية، فسوف أقول ما أشاء".

وحول ما إذا كان ذلك يعني أن الأردن، على سبيل المثال، بحاجة إلى التحول إلى دولة ديمقراطية بين ليلة وضحاها؟ يجيب المعشر على سؤال فريدمان بالقول، أن "هذا ليس ضرورياً، ولكن يجب أن تكون هناك عملية أكبر لتقاسم السلطة بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني".

ويتساءل الكاتب هل كل هذه الأخبار الجديدة أخبار سيئة؟ ويجيب على سؤاله هذا بالقول، انها في الواقع ليست كذلك، على الأقل في الأردن "فقد كان الملك عبد الله بطيئاً في تقاسم السلطة، لكنه ما يزال قائداً فعالاً يحاول تطوير بلد يضم 10 ملايين نسمة ويستضيف الآن 1.3 مليون لاجئ سوري. وربما تكون أهم مبادراته هي سعيه قبل سبع سنوات لإطلاق مركز للتكنولوجيا وللمشروعات الجديدة في الأردن، فلأول مرة، يوجد في الأردن المئات من الشركات الناشئة المستقلة عن الحكومة التي تتناول المشاكل الاجتماعية كفرص تجارية، وبالتالي فليس من الضروري أن يكون الشرق الأوسط الجديد محكوما عليه بالاضطرابات فقط، ففي الأردن، على الأقل، أصبحت القصة قصة سباق بين الكثير من التوجهات السيئة وبين عقلية نمو جديدة تحاول التوسع، حيث سيحصل الأردن على حوالي 20٪ من الكهرباء التي يحتاجها من الطاقة الشمسية بحلول عام 2020؛ فيما تحاول وزارة العمل تطبيق جميع أنواع الأفكار الجذرية لتوظيف المزيد من الشباب في القطاع الخاص".

ويختتم الكاتب المقال بالإشارة إلى "إن المشكلة هي أنه لا يوجد وقت كاف، فقد أُرجأ الإصلاح السياسي لفترة طويلة، وما تزال القواعد الثقافية القديمة متأصلة بعمق خارج عمان. ولذا، فعلى الأردن فعل كل شيء كيفما يجب، وعليه أن يفعل ذلك بسرعة".