صفحة من تاريخ الحراك الوطني الفلسطيني

بقلم: عوني فرسخ

حين بدأت الهجرات اليهودية لفلسطين سنة 1882 كانت الفجوة الحضارية واسعة بين الصهاينة ذوي الخلفية الأوروبية، المدعومين من الاستعمار البريطاني، والجاليات اليهودية الأمريكية والأوروبية واسعة النفوذ، والمؤيدين من غالبية الرأي العام الغربي والمجتمع العربي متخلف المعرفة والوعي نتيجة ما عاناه بفعل الفساد والاستبداد العثماني والقمع البريطاني. فيما كان الاقطاعيون ومعظمهم من الأقطار العربية المجاورة، وكذلك كبار الملاك يحوزون غالبية الأراضي الخصبة. وقد أدى بيع بعضهم للأراضي وقيام الدرك بإخلاء الفلاحين من الأراضي المباعة إلى الصدام بينهم وبين المستوطنين والدرك. كما جرى بين فلاحي الخضيرة وملبس من جهة ومستوطني مستعمرة بتاح تكفاه عام 1886. ما أسهم في تسريع الوعي على الخطر، الأمر الذي أسهمت فيه أيضا صحف القاهرة ودمشق وبيروت والصحافة الفلسطينية الناشئة، خاصة صحيفة الكرمل لنجيب نصار.

وفي مواجهة الاحتلال البريطاني لفلسطين وإعلان وعد بلفور سنة 1917 تشكلت في القدس ومعظم المدن لجان وطنية باسم «الجمعيات الإسلامية - المسيحية»، التي توحدت في المؤتمر الفلسطيني الأول، وانتخبت لجنة تنفيذية برئاسة موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس.

وقد رفض المندوب السامي البريطاني الاعتراف باللجنة كممثلة للشعب العربي الفلسطيني. وكذلك فعل وزير المستعمرات ونستون تشرشل عندما استقبل أعضاءها بالقدس في 8/ 3/ 1921، ولم يستجب لطلبهم إقامة حكومة فلسطينية مسؤولة أمام برلمان منتخب، وعليه رفضت الشخصيات الوطنية العربية المشاركة في عضوية «المجلس التشريعي» الذي اقترحته الحكومة البريطانية، بحيث يكون للمندوب السامي البريطاني سلطة قبول مقررات المجلس وإلغائها، باعتبار ذلك تشويهاً مفضوحاً للديمقراطية.

وفي عام 1929 تفجرت «هبة البراق» عندما حاول الصهاينة المساس بما هو مستقر في ساحة البراق ( المبكى ) وقد شكلت «هبة البراق» نقلة نوعية في الحراك الوطني بتأثير ما بدا من انحياز بريطانيا السافر للصهاينة، ووضوح مقدار تطور قدراتهم العسكرية، وما أبداه الشهداء: عطا الزبير، وفؤاد حجازي، ومحمد جمجوم من رباطة جأش وشجاعة ساعة إعدامهم. وما ابدعته أمهاتهم باستقبالهن الشهداء بالزغاريد، مبدعات تقليدا صار عرفا فلسطينيا بأن يستقبل الشهداء بالزغاريد، ويستقبل أهلهم المهنئين وليس المعزين.

وفي سياق مراجعة الحكومة البريطانية لدواعي الصدام جرى تعيين لجنة من «عصبة الأمم» للفصل بين حقوق الطرفين في حائط البراق. وبعد أن تقدمت بتقريرها صدر عن مجلس الملك البريطاني في مايو أيار 1931 قرار نص على اعتبار جدار الحرم الغربي ( حائط المبكى ) والرصيف أمامه في مواجهة حارة المغاربة، وقفا إسلاميا، وللمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط والرصيف، وبعدم تجاوز اليهود العرف المستقر.

وتشكلت خلال سنوات 1930-1935 أحزاب: الاستقلال والدفاع، والعربي، والشباب، والإصلاح، والكتلة الوطنية، والشيوعي. ولم تختلف أحزاب فلسطين حينها عن بقية الأحزاب العربية المعاصرة من حيث غياب الديمقراطية، وشيوع الزعامة الفردية، والعفوية السياسية، و ديماغوجية الخطاب السياسي، والافتقار للاستراتيجية العامة والشاملة لإدارة الصراع. وإن هي مثلت مختلف ألوان الطيف السياسي والفكري الفلسطيني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وفي 20/11/1935 سجل الشيخ عز الدين القسام باستشهاده تطوراً في أسلوب الحراك الوطني من التظاهرات إلى الكفاح المسلح، برغم محدودية الإمكانيات، محدثا بذلك نقلة نوعية في الحراك الوطني من حيث مضمونه الاستراتيجي وأسلوبه بتركيزه الهجوم على الاستعمار البريطاني راعي مشروع الاستعمار الاستيطاني العنصري.. وقد شكل استشهاد القسام مقدمة ثورة 1936-1939، التي تفجرت في أعقاب الصدام في منطقة التماس بين يافا وتل أبيب يوم 20/4/1936 وامتداده لبقية مدن فلسطين.

ورغم تصاعد إجراءات القمع البريطانية سجناً واعتقالاً واعداماً ونسفاً للبيوت، ازدادت الثورة زخماً، وسيطر الثوار على وسط البلاد، ما اضطر الجيش البريطاني إلى جلب نجدات من قواعده في منطقة قناة السويس والأردن ومالطة، في أكبر حركة عسكرية تشهدها بريطانيا منذ الحرب العالمية الأولى، ثم لجأت لبعض الأنظمة العربية طالبة منها التدخل.

ومع تواصل الثورة واتساع رقعتها صيف 1938 حيث شلت إلى حد بعيد فعالية الجيش البريطاني صعدت بريطانيا إجراءات القمع مع ظهور مؤشرات عن قرب وقوع الحرب مع المحور بقيادة ألمانيا النازية سنة 1939.

وحسب السجلات البريطانية بلغ عدد الشهداء خلال سنوات الثورة الثلاث 5032 شهيداً، والجرحى 14760 والمعتقلين خمسين ألفا، والذين أعدموا 146 ونسف خمسة آلاف منزل.

بالاتفاق مع "الخليج؛