شتاء غزة -2-

بقلم : نبيل عمرو

بقراءة موضوعية لواقع غزة وكيفية سيطرة "حماس"على مفاصل الحكم فيها، يبدو جليّا أن سلطة الأمر الواقع هناك مستعدة لحرق الأخضر واليابس من أجل البقاء في سدة الحكم.

إنّ توقع نتائج سريعة وحاسمة للحراك الشعبيّ الذي يشهده القطاع بوتائر مختلفة يعتبر أمراً رغائبيّا أكثر منه واقعي.

فقادة "حماس" خصوصا أولئك الذين اختاروا معالجة الوضع بالقبضة الحديديّة، يدركون وإن كانوا ينكرون أن أزمتهم لا تقتصر على حراك شعبي احتجاجي ما أن يُخمدوه بالقوة حتى يستريحوا ، فالغزيّون الذين تظاهروا سيعودون إلى بيوتهم ولن يستوطنوا الشوارع والأزقة والميادين، وبعد الهدوء ستجد سلطة "حماس" نفسها أمام استمرار وتعمُّق دوافع الحراك، دون أن تكون لديها الحلول التي تلغيه تماما وتجعل من بقائها في سدة الحكم دون متاعب أمراً ممكناً ومبرراً .

لقد وصل الوضع في غزة بفعل إدارة "حماس" إلى حال يجعل مواصلة التدهور أمراً حتميّا، وما اعتقدت الحركة الإسلامية أنها تقوم بمعالجات ناجعة للأزمات بإلقاء حمولتها تارةً على إسرائيل، وتارةً أخرى على رام الله، ودائماً على عامل خارجي بحكم اعتناق نظريّة المؤامرة، لتبرير سياساتها أمام أنصارها وحلفائها، إلّا أنها لن تتقدم ولو خطوة صغيرة إلى الأمام لا لتحسين الأحوال ولا حتى لوقف تسارع وتيرة التدهور.

إنّ رهانات "حماس" على اجتهادها الخاص في توفير الحلول تبدو عقيمةً وعديمةَ الجدوى، فلا المالُ القطري يحل الأزمة الماليّة المستفحلة، ولا فرض الضرائب حتى على التنفّس يوفّر ما يكفي للإنفاق على الحكم، وبالطبع دون العناية بالإنفاق على باقي الناس، هذا على صعيد الحياة اليومية التي تعيشها الملايين الغزية، أما على صعيد تغطية الأزمة المستفحلة بأدبيات السياسة والمقاومة، فما يحدث على هذا الصعيد يحمل خطراً محقّقاً أكثر مما يجلب حلًا، فإسرائيل التي تحاصر غزة والتي لا يُنكر أحدٌ أنّها أصلُ البلاء، أدخلت غزة والغزيين في المفاعل الانتخابي كمؤثر ذي شأن، وسواء جلس في موقع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أو منافسه "جانتس"، فإن المشترك بين الاثنين هو ما أُعلن صراحةً بالقول " نريد "حماس" في غزة كسلطة ومرجعية، ولكنّها ينبغي أن تظلّ ضعيفة وتحكم علاقاتها بإسرائيل معادلة هدوء مقابل هدوء."أما التسهيلات التي تجري المطالبة بها مقابل ذلك فستكون خاضعةً بالمطلق لحسابات وتقويمات الحكومة الإسرائيلية دون أن تلزم نفسها بتعهدات والتزامات من أي نوع.

وهل هنالك كارثة سياسية واستراتيجية أفدح من هذه وهل هنالك سيطرة غاشمة أعمق وأكثر من ذلك؟

وهذا المنحى الذي تسير فيه أزمة غزة ستدخل عليه عوامل سخونة وتأجيج في قادم الأيام، فالانتخابات في إسرائيل التي أملَت حاجة إلى قدر من الهدوء مع غزة، والتي جعلت الدولة المغرورة والمتربصة تقرر الموافقة على أن الصواريخ التي أُطلقت نحو تل أبيب كانت غير مقصودة، وقد انطلقت بفعل خطأ فني. هذا التقويم لن يستمر، فما كان لإسرائيل أن تقول ذلك في أي وقت لولا الانتخابات، وهذا ما يستوجب حذراً وقلقاً مضاعفاً بعد إجرائها.

ثم كيف سيكون الوضع بعد إعلان نتائج الانتخابات التي سيتسابق الفائزون فيها على استخدام تهديد غزة ، كمؤهل للظّفر بالحصص والمواقع، ثم وربما هذا هو السؤال المفصلي، ماذا سيكون الحال في اليوم التالي لعرض صفقة القرن رسميّا مشفوعةً بالطبع بالتهديد والوعيد للفلسطينيين الذين لن يوافقوا عليها.

ستظهر حالة سياسية غريبة آنذاك هو اتحاد السلطة الشرعية في الضفة مع سلطة الأمر الواقع في غزة في الموقف، مع اختلافهما حد التناقض في السلوك وهذا أخطر ما يؤثر سلباً على قدرات وكفاءة الطرفين في المواجهة!

السؤال الذي يُطرح منطقياً بعد الهدوء الذي يمكن أن يسود مؤقتاً بفعل القمع الشرس في غزة..

ما هي السياسة التي يتعيّن اتخاذها إذا لم يكن من أجل الخروج من المأزق فمن أجل وقف التدهور؟

حتى الآن لا مؤشرات على سياسية جديدة أو إيجابية فالقوم يفضّلون ردّ الفعل الآني على أي تطور ... الهرواة للحراك المعارض وانتظار الهبّات للتنقيط في حلق الحكم وأهله، وتغطية ذلك بمنظومة اتهامات تصلح للمساجلات الدعائية والتلاوم ولكنها أبداً لا تُقنع أحداً ولا تقدّم حلًا .

ما جرى في غزة وما هو مرشح لأن يستمر ولو بشكل متقطّع وتزامنه مع أكبر تحد سيواجهه الفلسطينيون جميعاً بعد أسابيع قليلة قد تكون حاسمة، يجعل من الشتاء الدامي في غزة وبكل حسرة واسف شتاءً خطراً على فلسطين شعباً وقضيةً ومصيراً.