ما الذي حدث وسيحدث في غزة؟

بقلم: د.أحمد جميل عزم

نقل الإعلام عن حازم قاسم، المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في فلسطين، يوم الأحد الفائت، وبينما يشهد قطاع غزة توتراً غير مسبوق، ”إن كل اتصالات حماس ولقاءاتها مع الوفود والوسطاء، تضع دائًما مطالب شعبنا وحقوقه على الطاولة، وتقاتل بكل الطرق لانتزاع هذه الحقوق“. ويبدو هذا التصريح للوهلة الأولى

من الحركة لحقيقة المتغيرات التي تجري في قطاع غزة، ولكن هذه الصورة إدراكاً تتبدد بقراءة باقي التصريح، فهو يقول ”شعبنا قام بأكبر حراك جماهيري لتثبيت حقوقه الوطنية، وترسيخ ثوابت قضيته الفلسطينية، وحقه في العيش بحرية وكرامة، عبر نضاله المتواصل في مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار“. فالتصريح واجه ما يحدث في القطاع بالتجاهل، وتناسى أ ّن ما يحدث هو إعادة تحديد لأطراف الشأن في القطاع ولمواقعهم. ما يحدث هو تحد لسياسة عامة عريضة تبنتها ”حماس“ اسمها ”التجاهل“، وتوقع أ ّن ”المقاومة“ و“الجماعة الدينية“ لديها حرية فعل أي شيء دون محاسبة.

نزول الناس الحالي للشارع، في قطاع غزة، ضمن حراك ”بدنا نعيش“، فيه أكثر من معنى ورسالة. أول وأهم الرسائل، هي قناعة الناس أ ّن السلطة القائمة هي المسؤولة، وانتهاء معادلة اعتبار السلطة غير الحاكمة (أي الرئاسة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية

الرسمية) هي المسؤولة، فمن يحكم على الأرض ويملك القدرة على فرض الأمن والنظام ويحدد من يبني ويهدم ومن يستثمر ولا يستثمر ومن يقرر الضرائب والرسوم ويجمعها، ومن ُ يدخل مساعدات أو لا يدخلها، ومن يتخذ قرار الحرب والسلم، هو أيضاً من يجب أن يوفر متطلبات الحياة، ولا يمكن اّدعاء امتلاك كل هذه الأدوار والصلاحيات، وتجاهل مهمة توفير متطلبات الحياة.

ما حدث في غزة يرتبط بمتغيرات يمكن إجمالها فيما يلي: أو ًلا، إن دخول حركة ”حماس“ في تسويات وتفاهمات مع الإسرائيليين بربط التهدئة بدخول أموال، وتحديداً الأموال القطرية، أنهى فكرة ا ّن كل شيء مقاومة وللمقاومة، وأصبحت الأمور سياسية ونسبية ومتغيرة، وخاضعة للتغيير والمعارضة والقبول. ثانيا، فرضت ”حماس“، ضرائبكبيرة مؤخرا وهي تجمع أموالا وتتلقى مساعدات لا بصفتها فصيل ُ ينفق على نشاطاته وأعضائه، بل باسم الشعب الفلسطيني، ولكن لا يوجد ميزانيات، وتتجاهل ”حماس“ أهمية تقديم كشوف مالية توضح أين يتم إنفاق ما تجمعه وكيف. ثالثاً اثيرت وتثار معلومات وبيانات وتقارير عن قضايا فساد ومحاباة، وكانت النتيجة محاكمة

وملاحقة من يتحدث بهذه القضايا، كما حدث مع الصحفية هاجر حرب، التي قّدمت تقارير مصورة مدعمة ببيانات وحقائق، عن موضوعات منها ما يتعلق بطريقة توزيع المنح الخارجية، وبدل إجراء تحقيق شفاف في التقارير، تم تجاهل ذلك، ُ وحكم على الصحفية بالسجن، وما أثارته حرب حلقة من سلسلة قضايا غامضة، كما حدث مثلا في موضوع القيادي السابق في ”حماس“ أيمن طه، الذي عزل، ثم أعلن مقتله، في ظروف غامضة.

رابعا إن قضية مثل قضية طه، وبعده اكتشاف الجاسوس الإسرائيلي أشرف أبو ليلة، أحد أبرز منفذي عمليات القتل ضد عناصر السلطة الفلسطينية العام 2007، جعلت صورة النقاء التي نظرت قطاعات شعبية واسعة فيها لحماس تتزعزع، لتشعر الناس أنهم لا يمكن أن يعطوا ثقة عمياء، وأنهم يريدون الفهم والمشاركة في تقرير

حياتهم.

خامسا، بتسيير مسيرات العودة، ر ّسخت ”حماس“ ودّربت قطاعات، جزءا منها لا ينتمي

للحركة، على فكرة النضال الميداني السلمي، وربطت الحركة بين الحصول على مطالب

معيشية يومية والمسيرات. وهذا مؤلم لأسر الشهداء الذين رأوا تضحيات أبنائهمّ شجعت قطاعات على اللجوء لذات الطريقة ولكن مربوطة بقضايا معيشية، ولكن أيضاً إزاء السلطة القائمة في القطاع (حماس).

تصريح قاسم سالف الذكر سيكون منطقياً لو كان يعني أ ّن ”حماس“ تعترف أنها

المسؤولة عن مطالب وحياة الناس في القطاع، وهي من يتابعها، ولكن الهرب من

الحدث لمسيرات العودة، كأ ّن لا شيء يحدث، وفي الوقت ذاته قيام الحركة بعمليات قمع

فائقة القسوة، مؤشر آخر على تجاهل حقيقة ّأنه عندما تحُكم أنت وبالقوة، تكن أنت

المسؤول. هناك واقع جديد، يتم تجاهله، هو أ ّن تحول ”حماس“ إلى سلطة، يغير المتوقع

منها ويغير من طريقة الناس في التعامل معها.

عن "الغد الاردنية"