بعد 62 عاما من احتلال الاسم - الناصرة عربية

بقلم:سليمان أبو إرشيد

القرار بتغيير اسم "الناصرة عليت"، (نستطيع الآن أن نكتبها بالعربية) هو بمثابة انسحاب من الاسم العربي، الذي احتلته أسوة بعشرات آلاف الدونمات التي قضمتها من أراضي الناصرة والمشهد والرينة وكفر كنا وعين ماهل، وذلك في سياق عملية سطو استيطاني شملت الجغرافية والتاريخ واستحوذت على اسم إحدى أهم المدن التاريخية الفلسطينية.

هذا الانسحاب جاء بعد أن فشل مخطط تحويل الناصرة العربية إلى مجرد "بلدة قديمة" أو حارة معزولة من أحياء "المدينة الاستيطانية الحديثة" مترامية الأطراف، التي أريد لها مصادرة دور ومكانة الناصرة في محيطها، وتجريدها من امتيازاتها كمدينة لوائية ومركز اقتصادي وإداري لهذا المحيط. وفي ضوء خشيتهم من أن ينقلب السحر على الساحر وتتحول "نتسيرت عليت" إلى حارة من حارات الناصرة وحاضرتها العربية الفلسطينية الممتدة من كفر كنا غربا إلى إكسال شرقا ومن عيلوط جنوبا إلى عين ماهل شمالا وتشمل ربع مليون إنسان.

لقد أقيمت "نتسيرت عليت" عام 1956 ترجمة لحلم بن غوريون في تهويد الجليل، وذلك في إطار خطة سرية أعدتها الحكومة الإسرائيلية برئاسته وأوكل تنفيذها لوزارة الأمن التي كان يتولاها أيضا، بينما باشرها شمعون بيرس الذي شغل حينها نائبا لبن غوريون في وزارة الأمن.

هدفت الخطة التي سميت اختصارا "نعم"، وهي الأحرف الأولى لمدن "نتسرت عليت"، "عفولة"، "مجدال هعيمق"، من خلال رصد ميزانية ضخمة، إلى تكثيف الاستيطان في المدن الثلاث سعيا لتوحيدها مستقبلا وتحويلها إلى "متروبولين" وتحقيق هدف فرملة توسع الناصرة وخلق كتلة استيطانية تضرب التواصل السكاني العربي في تلك المنطقة وتعزز خطة تهويد الجليل.

لهذا الغرض جرى، من عام 1956 وحتى 1966 تركيز المهاجرين الذين وصلوا من بولندا، رومانيا والمغرب في "نتسيرت عليت"، وأيضا في العفولة و"مجدال هعيمق"، بينما بقيت الخطة سرية حيث تم تحويل جزء كبير من ميزانيات تطوير "نتسيرت عليت" بواسطة وزارة الأمن التي تحظى بنود ميزانيتها بالسرية إلى اليوم. وفي هذا السياق تم إقامة مصانع على غرار مصنع "دودج" الذي زود الجيش الإسرائيلي بالمجنزرات ومصنع السلاح التابع للصناعات العسكرية، إلى جانب مصنعي "كيتان" و"عليت" المدنيين، والتي وفرت أماكن عمل للمستوطنين إلى جانب عرض وحدات سكنية محسنة بأسعار مغرية وهبات سكن لمسرحي الجيش الإسرائيلي فقط.

وقد ازدهرت "نتسيرت عليت" إبان الهجرة الروسية الكبرى في التسعينيات، عبر استيعاب الآلاف من المهاجرين الجدد وابتلعت المزيد من الأراضي العربية لتغطية حاجتها الاستيعابية، إلا أنها سرعان ما تراجعت مع دخول سنوات الـ2000، وترجم ذلك بهجرة سلبية من المدينة وهجرة عربية مدفوعة بأزمة السكن من الناصرة والقرى المحيطة إليها.

وفي كتابهما "تهويد الجليل أو ضياعه – حالة نتسيرت عليت 1956- 2016" يتوقع المؤلفان بروفيسور أرنون سوفر ونيقولا جوزيف أورباخ، أن تصل نسبة السكان العرب في "نتسيرت عليت" إلى 100% حتى سنة 2030، وعندها ستقرر الحكومة توحيدها مع الناصرة وتطوي حلم بن غوريون بتهويد الجليل، كما يدعيان.

ولدعم اعتقادهما بالأرقام يورد الكاتبان، استنادا إلى معطيات الدائرة المركزية للإحصاء، أنه في عام 2011 بلغت نسبة العرب في المدينة 17% وفي عام 2014 ارتفعت إلى 20% حسب بينما تفيد معطيات عام 2015 أن نسبة اليهود في "نتسيرت عليت" تبلغ 64.4% فقط، ما يعني أن نسبة العرب تفوق الـ30% إذا ما أخذنا بالاعتبار وجود نسبة من المسيحيين الروس الذين يسكنون المدينة.

وفي المحيط الأوسع يبلغ عدد مجمل سكان "نتسيرت عليت" 40 ألف إنسان، ويصل عدد السكان الناصرة إلى 80 ألف إنسان، في حين يناهز عدد سكان حاضرة الناصرة (متروبولين) الذي يضم كفر كنا، المشهد، الرينة، عيلوط، يافة الناصرة، عين ماهل، إكسال 210 آلاف إنسان يشكل اليهود 13% منهم فقط. عن "عرب ٤٨"