موجة جديدة من ”الربيع العربي“.. الجزائر نموذجا

بقلم:مروان المعشر

عندما اجتاحت الثورات العربية العام 2011 عددا من الدول العربية تركز الكثير من ردود الحكومات العربية حول استجابات مالية أو تجميلية لا ترقى لمعالجة أسباب الثورات المتعلقة بغياب الحاكمية وشعور الناس ان صوتهم ليس ممثلا وان حكوماتهم

فشلت في بلورة نظم تحاكي احتياجاتهم. ولم ترد هذه الحكومات ان تعترف ان غياب الحاكمية هو ما ادى لهذه الثورات، فتم نسب الثورات لتدخلات خارجية في المنطقة في تجاهل سافر لفشل معظم الدول في بناء مجتمعات مزدهرة معتمدة على التعددية وسيادة

القانون وتطبيقه على الجميع دون محاباة للبعض على حساب الكل.

ولما لم تنجح هذه الثورات في تحويل الاحتجاجات الى سياسات تبدأ ببناء الدولة الحداثية الديمقراطية المعتمدة على سيادة القانون والفصل بين السلطات، ورجع الناس الى منازلهم خوفا ان يحل بهم ما حل بسورية أو اليمن أو ليبيا، اعتقدت الحكومات العربية

ان عامل الخوف هذا يعني انتهاء الربيع العربي، فتسابق العديد من المسؤولين والمفكرين العرب ليحدثنا عن النتائج الكارثية للثورات، وهو تشخيص مجزوء لانه يتجاهل حقيقة دامغة هي ان الناس ما كانوا لينزلوا للشارع لولا غياب الحاكمية، وان عامل الخوف من التداعيات التي حصلت في سورية وليبيا واليمن ومصر لا ينهي

المشكلة ولكنه يؤجلها فقط. ما يعالج الازمة هو الاعتراف بفشل النظام السلطوي العربي في إقامة دول راسخة مستقرة ومزدهرة، وفشل سياسات التنفيعات والواسطة وتجاوز القانون في إقناع المواطن العربي بعدالة التمثيل وتوزيع المكتسبات، وفشل ادارة الدولة

العربية بالطرق التقليدية في بلورة ثقة لدى المواطن العربي ان الدولة تعمل لمصلحته حتى في الحالات التي يكون فيها ذلك صحيحا. هذا التشخيص هو بداية الطريق لوضع اللبنات الصحيحة لبناء دول عصرية تحترم مواطنيها وتخلق لهم البيئة المناسبة لتقدم

المجتمع وازدهاره دون احتكار لصنع القرار ودون تهميش لمن تختلف معه في الرأي.

ما يحدث اليوم في الجزائر دليل صارخ ان الخوف لا يحل المشاكل، وان هناك حدا لما يمكن ان يقبل به المواطن من سياسات تستخف بعقله وتشعره ان الدولة مستعدة لفعل اي شيء، حتى لو كان مجافيا للمنطق، في سبيل ارضاء مصالح خاصة على حساب

المصلحة العامة.

قيل الكثير عن ان ما جرى في الجزائر في أوائل التسعينيات، ومقتل مئات الآلاف من الجماعات الإرهابية والجيش حينذاك كان كفيلا بعدم انضمام الناس للموجة الأولى من الثورات العربية، فلم تتغير السياسات، وها هي مئات الآلاف ترجع للشارع في مظاهرات سلمية يقول لسان حالها ان هناك حدا لما يمكن ان يقبل به المواطن العربي.

وها هو الرئيس الجزائري يجد نفسه مجبرا للانصياع لارادة الشعب في مشهد يذكرنا بزين العابدين بن علي وحسني مبارك.

غريب امرنا احيانا. نكابر لتجاهل اصل المشكلة في الوطن العربي، وهو السلطوية، ومعالجة التحديات السياسية والاقتصادية عن طريق الريع وليس بناء الدولة الحديثة. وقد استوقفتني يافطة لمتظاهر جزائري يسأل رئيس دولته عن عشرين سنة من الحكم لم

يستطع خلالها ان يبني مستشفى ليتعالج فيه! نستطيع ان نلقي مئات الخطب عن الآثار الكارثية للثورات العربية، وتستطيع قوى الوضع القائم اعادة انتاج نفسها مرحليا بحلل جديدة، ولكن كل ذلك لن يمنع موجات اخرى ستكون اكثر دموية واقل اعتدالا ان لم نبدأ

بالانتباه للاسباب الحقيقية التي دعت لهذه الثورات في الدرجة الأولى. هذا بيت القصيد.

اما دفن الرؤوس في الرمال والاعتماد على عامل الخوف للجم الناس فلن يؤدي الا الى عواب كارثية بامتياز.

عن "الغد الاردنية"