اشتية في المصيون!

رام الله - " القدس" دوت كوم - كتب إبراهيم ملحم - وأخيرًا؛ قُضي الأمر، وحُسم الجدل الطويل الذي حبَس أنفاس المراقبين والمواطنين على السّواء، من طول الوقوف في محطة الانتظار التي أعقبت استقالة حكومة الوفاق، قبل أن تتضح هُوية السّاكن الجديد في المصيون، وتتّضح معها معالم المسير على الطريق الطويل المحفوف بالمخاطر، والمنعطفات، والمطبّات، وكثبان الضّباب، والمكتظّ بالمخاوف، والتحديات من مرحلة عنوانها؛ "العسر في الأموال، والأنفس، والثمرات"، وهو عسرٌ سيتلوه يسرٌ مهما اشتدّ عسرُه، وتمطّى ليله، حتى ولو عضّ الصابرين المرابطين في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس الذين أنبأنا عنهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الشريف "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك. قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: "في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس".

في سيرة القادم الجديد للمصيون ومسيرته في المال والأعمال وفي السياسة، ما يبعث على الطمأنينة، بحسن أدائه، ودقّة حساباته، ورجاحة أفكاره، وصوابية توجهاته، وحساسية خياراته واختياراته لبطانته التي سينعكس أداؤها؛ حُسنًا ورداءة، على صورته، وصورة الهيئات القيادية العليا لحركة فتح التي راهنت عليه، عندما أوصت الرئاسة بتكليفه، بعد أن ظلّت الحركة تكظم غيظها، حتى عيل صبرُها، من تحمُّل أوزار كلّ الأخطاء والخطايا التي ترتكبها الحكومات الحاكمة باسمها، دون أن يكون لها حولٌ ولا قوة في تصويب أخطائها، أو تصليب مواقفها، أو تغيير ما وقع من أضرار جرّاء ما اقتُرف من أخطاء فادحة في سياساتها، لا بل إن الحركة نفسها كانت ضحيةً لتلك السياسات التي اتّسمت بالخفّة والمزاجية والأهواء الشخصية لأصحابها، وإن ارتدت لبوس الحرص على المصلحة الوطنية.

رهانات الحركة في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة لا تحتمل التجريب ولا التنجيم؛ وهي رهاناتٌ تتطلّب من السّاكن الجديد في المصيون تعقيم أدواته قبل اتخاذ أي قرارات، أو انتهاج أية سياسات، كتلك التي أدت إلى مضاعفات كادت تقوّض الإنجازات، وتعصف بالمكتسبات، وتخلق خطرًا داخليًا، أشدّ خطورة من المخاطر والتحديات الخارجية؛ فالتجارب الماضية أثبتت أن سوء أدائنا أكثرُ خطرًا علينا من أعدائنا.

أحسب أن أوّل اختبار للحكومة المقبلة سيكون في قدرتها على سدّ الثغرات، ومعالجة التشقّقات، والترفّع عن التنابز بالاتهامات التي تثير مشاعر اليأس والإحباط وتبعث على التقزز، من كل من يحاول حرف الأنظار بخلافات هامشية، عن المخاطر الجديّة التي تستهدف المشروع الوطني، بتعميق الخلاف، وترسيخ الانقسام كهدف استراتيجي، كشفَ عنه نتنياهو في سياق الترويج لإنجازاته في سياق حملته للانتخابات المرتقبة في نيسان/ ابريل المقبل.

في المعلومات، فإن الأخطاء التي شابت الأداء في معالجة بعض الملفات، مضافًا إليها تغوّل بعض المستشارين الصّغار في بطانة السيّد رئيس الوزراء، ممن يفتقدون إلى الموهبة، وينعدم لديهم الخيال في رسم السياسات، وتحديد الأولويات، واستشعار الحساسيات، واستعجال الاضطلاع بمهمات، وتقمُّص أدوار تتجاوز صلاحياتهم، وأحجامهم؛ لا لرغبة في قطع العلاقة مع "حماس"، كما يعتقد البعض (ذلك أن حكومة الوفاق لم يبقَ منها سوى الاسم بعد عملية التفجير التي استهدفت موكب رئيس الوزراء ورئيس جهاز المخابرات في غزة العام الماضي)، أقول بأن تلك السياسات كانت هي السبب الرئيس وراء القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية لحركة فتح، بالطلب من الحكومة تقديم استقالتها، لإسناد المهمة لأحد أعضائها، ليظلّ رئيس الحكومة وبطانته تحت الرقابة اللّصيقة من زملائه في مرحلة هي الأكثر خطورة في تاريخ القضية الفلسطينية، وهم الذين سيعملون على تصويب اعوجاجه، والمسارعة في إسداء النصح له قبل محاسبته إذا ما بدا منه تجاوزٌ في سياسة، أو فُجرٌ في خصومة.

لن تنجو الحكومة المقبلة رئيسًا وأعضاء، من الانتقادات بأشد العبارات، إن هي ضيّقت على الحريّات، أو قارفت ذات الأخطاء التي قارفتها سابقاتها، أو وقعت في إغراء التوزير لمن سيدخلون نادي أصحاب المعالي، ولم يحدثوا التغيير المنشود، والذين ستظلّ حركاتهم، وسكناتهم، وسيّاراتهم، وحساباتهم البنكية، وأموالهم المنقولة وغير المنقولة، وأبناؤهم وبناتُهم، وإخوانُهم، وأخواتُهم وأعمامُهم، وعمّاتُهم، وخالاتُهم، وأمهاتُهم اللائي أرضعنَهم، وإخوانُهم في الرضاعة؛ تحت الرقابة على مدار السّاعة. ذلك أن أي خطأ في الحسابات أو تغوّل في السياسات، أو تجاوز في الصلاحيات، لأي من الفريق الوزاري المقبل، من شأنه أن يسحب من رأس مال الحركة، التي ستكون هذه المرّة مضطرة لتسديد الفاتورة ودفع الحساب عن جميع الطلبات التي نزلت على الطاولة!