نحو تشكيل مجلس للإصلاح والسلم الأهلي في محافظة القدس

بقلم: راسم عبيدات

إرساء دعائم السلم الأهلي في محافظة القدس، واحدة من القضايا الهامة والجوهرية، فما يتعرض له مجتمعنا المقدسي من تحديات خارجية وداخلية يتطلب منا العمل على اكثر من جبهة وصعيد في ظل حرب شاملة يشنها الإحتلال علينا، وجزء من هذه الحرب يستهدف مناعتنا وحصانتنا الداخلية، حيث يتعرض مجتمعنا الى فكفكة وهتك منظمين للنسيج المجتمعي والوطني، بما يسهل من اختراق المجتمع واغراقه في هموم ومشاكل داخلية كبيرة مثل قضايا " الطوش" والإحتراب العشائري والقبلي، ونشر الآفات المجتمعية مثل المخدرات والفساد الأخلاقي والقيمي ،وتدمير منظومة الأخلاق والثقافة، وتعزيز النزعات العشائرية والقبلية على حساب القضايا الوطنية، وبما يضمن تعزيز وخلق مليشيات محلية وجهوية، تاخذ الصبغة المناطقية والجهوية، محدثة المزيد من التأكل في المبنى المجتمعي، وبما يضمن تحويل أي مشكلة بين فردين او مجموعة من الصبيان والمراهقين الى " طوشة" عامة يشارك فيها "الفزيعة" من كل صوب وحدب على أساس الإنتماء الجهوي والبلدي والعشائري.

ويجري تغييب كل الروابط الوطنية والدينية وغيرها. وفي مجتمعنا المقدسي واجهنا مثل هذه المطبات التي عصفت بالمجتمع المقدسي، والتي كادت ان تطيح بوحدته وتدمر نسيجه المجتمعي، ولكن في كل مرة بالحكمة وبجهود الخيرين والمخلصين من أبناء مدينتنا ووطنا رجال إصلاح مخلصين وقوى وطنية وعشائرية ومجتمعية وبمشاركة او مساهمة من قبل المؤسسة الرسمية، أمكن احتواء تلك الأزمات ومنع تمددها وانفجارها على نحو اوسع.

ليس بخاف على الجميع بأن سلطة القانون والقضاء الفلسطيني غائبة عن مدينة القدس، ليس فقط ما يخص القرى والبلدات المقدسية التي تقع داخل جدار الفصل العنصري، ولكن هذا يمتد الى أغلب القرى والبلدات المقدسية خارج جدار الفصل العنصري، حيث هي تقع ضمن مناطق (جيم) وتخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة والمباشرة، ولذلك في كثير من الأحيان، تجد بان المطلوبين للعدالة والقانون، او من يمارسون ادوارا مشبوهة في تدمير وتحطيم المجتمع ووحدته الداخلية، مثل خلق اوكار واماكن للمخدرات والرذيلة والغش والتزوير ونشر الفساد والمتاجرة بالأغذية واللحوم الفاسدة او المنهية صلاحيتها او المعاد تغليفها وبالسيارات المسروقة يتحصنون في تلك المناطق، ويبثون حالة من الرعب والخوف بين السكان، ويعملون على إقامة شبكة من المافيات والمليشيات تفرض الأتاوات على السكان، وتتعدى على املاكهم من بيوت وأراضي وغيرها.

جميعنا ندرك تماماً بان الإحتلال في الفترة الأخيرة صعد من حربه على المقدسيين ،والحرب جزء منها يستهدف النسيجين المجتمعي والوطني، ولذلك هو يعمل على تعميق وتعزيز أي حالة تشظية وانقسام واحتراب عشائري او قبلي حتى بات يتدخل في تفاصيل حياة المقدسيين. ليس " الطوش" وما ينتج عنها من خراب ودمار،بل نجد التحدي الأكبر هنا في ولوج الاحتلال الى قلب البيت الفلسطيني بالتدخل في القضايا والخلافات الأسرية، وبما يضمن له نخر النسيج المجتمعي بشكل كبير، فنحن نشهد على سبيل المثال لا الحصر، بأن هناك الكثير من ملفات الخلافات الأسرية والعائلية، تتولاها شرطة الإحتلال والأجهزة المرتبطة به، وعمد المحتل الى خلق أذرع محلية مرتبطة به، مثل لجان الإصلاح العشائري المرتبطة به، تماماً كما خلق واوجد شرطة جماهيرية ينفذ من خلالها الى المدارس والمؤسسات التعليمية، واليوم يجري الحديث عن ربط قضايا تراخيص البناء في القرى والبلدات الفلسطينية المقدسية،التي لا يمتلك المقدسيون فيها "طابو" لأراضيهم من خلال المراكز الجماهيرية، بدل النوادي والمؤسسات المجتمعية الفلسطينية.

لكل هذه الظروف والوقائع والمعطيات تأتي الأهمية لتشكيل وتأسيس مجلس للإصلاح والسلم الأهلي في محافظة القدس .

هذا المجلس يجب ان يضم ويتمثل فيه الصفوة من رجال الإصلاح الذين يتمتعون بالثقة والمصداقية والحكمة والخبرة والتجربة والفهم المتعمق في قضايا القانون والقضاء العشائري، وأيضاً لا بد ان يكونوا مغلبين للهموم الوطنية والعامة على الهموم العشائرية والقبلية والجهوية، ومشهود لهم في نظافة اليد، وهذا المجلس بالضرورة ان يشمل كل الجغرافيا المقدسية، ونحن هنا لا نتحدث عن اننا نريد مؤسسة عشائرية او مؤسسة إصلاح وسلم اهلي قائمة بذاتها او منفصلة عن الجسم الوطني او الرسمي، وحتى لا يعتقد البعض هنا انني أدع الى تعزيز وتعميق العشائرية والقبلية في مجتمعنا الفلسطيني، والذي هو احوج الى التخلص من نزعاتها وثقافتها ، بل المطروح هنا مجلس يكون ذراعاً للحركة الوطنية ومرتبطا بالجسم الرسمي، كدائرة من دوائره، وطبعاً هذا المجلس بالضرورة ان يكون مرجعه وعنوانه السياسي منظمة التحرير الفلسطينية.

انا أفهم التعقيدات الموجودة في مجتمعنا الفلسطيني وما يعيشه من أزمات وتعدد المنابر والعناوين العشائرية والأجسام المشكلة فيما يخص هذا الجانب، ودخول العديد من المرتزقة والمنتفعين على خط الإصلاح والسلم الأهلي، ممن يجدون في قضايا الإصلاح والسلم الأهلي، قضايا للتكسب والمنفعة المادية، وشكلا من أشكال الوجاهة و" البرستيج المجتمعي" وهم ليس لديهم لا فهم عشائري او وطني، بل يستغلون تفجر الخلافات والمشاكل المجتمعية، من اجل إطالة امدها ومن اجل الحصول على اكبر منفعة وعائد مادي، ويأخذون هذه القضايا كتجارة عامة، وفي العديد من الأحيان يقلبون الباطل حقا والحق باطلا، ويبيعون القضايا تماماً، كما يحصل عند بعض المحامين، ناهيك عن الكثير من الشكوك والتخوفات والأسئلة التي ستطرح وتثار، ولكن ما يحدث ويجري في مجتمعنا، ونحن نشهد حالة غير مسبوقة من تنامي وتصاعد العنف، وانهيار لكامل منظومة القيم والأخلاق، وارتفاع في عدد الجرائم التي ترتكب على أسباب تافهة وليست ذات قيمة، وما يستتبعها من تداعيات، تخلق ندوبا وثارات مجتمعية عميقة يصعب دملها، ناهيك عما تسببه من خسائر مادية كبيرة في البيوت والممتلكات، وأبعد من ذلك إجلاء او إبعاد العديد من أفراد عائلة القاتل عن بيوتهم ومصادر رزقهم، وهم لا ناقة لهم او بعير فيما حصل.

ولذلك آن الأوان لكي نخطو خطوة عملية وجادة الى الأمام، واعرف بان المعيقات والمحبطات كثيرة، وهذا المجلس أرى ان لا تستخدم الماكنة الحزبية او التنظيمية في تشكيلته او تركيبته او عضويته، طبعاً مع مراعاة بان يكون تمثيل هذا المجلس للسلم الأهلي والمجتمعي شاملا لكل الجغرافيا المقدسية، وأن لا يكون فيه أي " فيتو" على من يمتلك " الكاريزما" القيادية والتجربة والخبرة والمعرفة العميقة بالقانون والقضاء العشائري، ويمتاز بالحضور والمصداقية في أوساط جماهيرنا وشعبنا، ويمتلك الحكمة والقدرة العالية على تحمل الضغط المتولد عن معالجة الأزمات والمشاكل، وكذلك من سجاياه نظافة اليد.

وأرى ان يتم الإعلان عن تشكيل هذا المجلس من خلال اجتماع عام او مؤتمر لرجال الإصلاح والسلم الأهلي ،تحضره قوى وشخصيات وطنية ومجتمعية ومندوبين عن المؤسسة الرسمية والمنظمة، حتى لا يعتقد البعض بان هذا المجلس سيكون بديلا او فوق سلطة المبنى الوطني وعنوانه الرسمي، منظمة التحرير الفلسطينية، مجلس للإصلاح وللسلم الأهلي يفرز قيادته من خلال المؤتمر العام، ويناط بها استكمال إقامة لجان للإصلاح والسلم الأهلي في كل القرى والبلدات المقدسية.