لن نركع

بقلم : اللواء بلال النتشة

الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

اذا كانت الادارة الاميركية التي يتربع على عرشها دونالد ترامب تظن انه من الممكن لي ذراع القيادة الفلسطينية وارغامها على القبول بصفقة " العار" اي صفقة القرن كما وصفها الاخ الرئيس " ابو مازن" في غير مناسبة ، تكون واهمة وتجهل اشد الجهل في صلابة الارادة الفلسطينية والجلد على تحمل الشدائد والازمات . وما تجربة البقرات ال "18" في بيت ساحور في خضم الانتفاضة الشعبية الكبرى في العام 1987 الا نموذجا حيا على هذه الارادة الفولاذية .

ولهذه البقرات قصة غريبة عجيبة فعندما قررت قيادة الانتفاضة الكبرى خوض معركة العصيان المدني مع الاحتلال كانت بيت ساحور اولى المدن الفلسطينية في جنوب الضفة الغربية التي تذهب الى تربية الابقار لانتاج الحليب ومشتقاته كبديل للمنتوج الاسرائيلي الذي تمت مقاطعته جماهيريا في كل ارجاء الضفة والقطاع دون الالتفات الى الوراء . وقد نجحت التجربة بامتياز وكتخليد لها فاز فيلم " المطلوبون ال 18 " الذي يرمز الى تلكم البقرات والذي رشحته وزارة الثقافة الفلسطينية مؤخرا لجائزة "الاوسكار" العالمية .

من هنا فانني انصح ترامب واللوبي الصهيوني ، بالرجوع في ذاكرتيهما الى هذه التجربة العظيمة كي يستخلصا منها العبر ويعرفا الشعب الفلسطيني على حقيقته دون اية مبالغات او مزايدات ، وعنئذ فانني على يقين بان المعادلة سوف تختلف عند كلا الجانبين .

عندما بدأت الولايات المتحدة الاميركية بالتلويح بفرض حصار مالي على الشعب الفلسطيني وقيادته بعد ان كشف النقاب عن صفقة " العار" من اجل معرفة ان كان هذا الشعب سوف يرضخ لما يفرض عليه من مشاريع سياسية تصفوية لقضيته العادلة ام لا ، اتضح لهذه الادارة الشريكة مع الاحتلال في جرائمه والراعية له ، ان الكل الفلسطيني موحد حول حقوقه الوطنية ، فلا القيادة تفرط ولا الجماهير تبيع شرفها الوطني مقابل استمرار تدفق الاموال وصرف الرواتب والمعونات . ومن هنا بدأت عملية تجميد ثم وقف نهائي لمشاريع وكالة التنمية الاميركية في منطقتنا وكذلك وقف المساعدات المالية الشهرية الاميركية للسلطة الوطنية بهدف ارغامها على قول " نعم ... دعونا نتفاهم " . وكانت المفاجأة لهم ان الرئيس قالها في عقر دارهم " لا كبيرة " وان لا تراجع عن هذا الموقف المستمد شرعيته من الجماهير الشعبية المتمسكة بالمبدأ وبالحقوق الوطنية المشروعة . وفي هذا الشأن فقد كان الرئيس يدرك ويعلم علم اليقين ومعه جماهير الشعب الفلسطيني وفصائل منظمة التحرير ان قول " لا" للبيت الابيض وان صفقة " العار لن تمر" ثمنهما كبير جدا ربما يصل حد الجود بالروح واللحاق بركب الشهداء الاعظم والاكرم منا جميعا . كما كنا نعلم ايضا اننا مقبلون على مرحلة " شد الاحزمة على البطون " كوننا سلطة تعيش على المعونات الخارجية لاننا بلد غير منتج على جميع المستويات . فلا زراعة ولا صناعة بالمعنى المؤسساتي ذلك ان الاستيطان يبتلع الارض وما في باطنها زد على ذلك ان نحو 60 في المئة من الارض في الضفة الغربية مصنفة " سي" بمعنى انها خاضعة للسيطرة الاسرائيلية الكاملة وكذلك اتفاق باريس الظالم الذي يكبل ايدينا عن العمل بحرية فيما تبقى لنا من ارض . في حين لا يسمح لنا بالاستيراد اوالتصدير بحرية . وبعبارات اخرى فان الحصار الاقتصادي ليس وليد اللحظة وانما هو مسألة تاريخية ، وهنا سر قدرتنا على الصمود وعلى التعايش مع اشد الازمات واكثرها فتكا .

على ذلك فان التجارب التاريخية التي خاضها شعبنا وقيادته اثبتت للاحتلال وشركائه اننا شعب عصي على الكسر وصاحب ارادة لا تلين وهو يفضل شرب الماء والملح الذي يعني "الكرامة" على كل المغريات الاخرى . فلا مال يغرينا ولا مناصب تبهرنا مقابل حرية شعبنا وارضنا وثوابتنا التي لا تراجع عنها .

لقد قالها الرئيس الخالد فينا الى الابد الشهيد " ابو عمار" ان القدس وفلسطين ليستا للبيع او المساومة وهاهو الرئيس محمود عباس ومن خلفه كل اركان القيادة الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير تسير على نفس النهج والعهد . ونحن مستعدون لدفع ثمن موقفنا الوطني هذا مهما كان حجمه. وان كان وقف المعونات والمساعدات الاميركية وسيلة للضغط علينا للقبول بالمشروع السياسي " المسخ" فمرحبا بالتحدي ومرحبا بالجوع ولكن "لا والف لا للركوع او التخاذل" . كما و ان ظنت اسرائيل انها تستطيع ان تثبط من عزيمة الشارع المقدسي في الدفاع عن الاقصى وعن باب الرحمة ومصلاه من خلال قرارات صادرة عن محاكم احتلالية لا نعترف بها اصلا ، فتكون قد ارتكبت حماقة كبيرة ضد الانسان اليبوسي الذي يتنفس كبرياء وانتماء لكل مقدساته.

لقد خاضت القيادة الفلسطينية وكل فصائل المنظمة على مدى سنوات الصراع الطويلة معارك " كسر عظم " عديدة مع الولايات المتحدة الاميركية والمجتمع الدولي باسره وقبل ذلك مع دولة الاحتلال . وفي كل هذه المعارك كانت تخرج منتصرة لان الدم الحر ينتصر دوما على سيف الباطل كيف لا ونحن اصحاب اطهر واشرف قضية على وجه الارض " شعب اقتلع من وطنه التاريخي وشتت في المنافي وارتكبت بحقه ابشع المجازر " الا انه ظل صامدا ومتمسكا بثوابته وفي مقدمتها حق العودة المقدس الذي هو حق فردي وجماعي والخلاص من الاحتلال واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وهذه حقوق مشروعة يتمسك بها الرضيع والشيخ في آن واحد " فالصغار لا ينسون ما ورثهم اياه الكبار " الذين رحلوا عن عالمنا ، فشعب بهذه الصلابة وبهذه القيم والمبادئ حتما لن يهزم ولن تكسر له ارادة . وعلى الادارة الاميركية ان تتوقف عن عمليات خرق الصف الفلسطيني من خلال المحاولات البائسة لشراء الذمم بالاتصال مع هذه المؤسسة او تلك او هذه البلدية او تلك وعليها ان تدرك ان الموقف الفلسطيني موحد في " لا " لتمرير صفقة "العار" فالكل الفلسطيني يصطف خلف الرئيس والقيادة في هذا الموقف الذي لا تراجع عنه حتى وان استمر الحصار عشر سنوات او اكثر .

ان من يظن ان الشعب الفلسطيني " شعب رواتب" يكون جاهلا في معرفة سيكولوجية هذا الشعب العظيم الذي يزف شهداءه بالورود والزغاريد والذي يقدم ابناءه قرابين على مذبح الحرية والذي يستبسل في الدفاع عن ارضه تحت قصف الرشاشات والطائرات ويقول للمستوطن :" ارحل عن ارض ابائنا واجدادنا . هذا ليس مكانك . عد من حيث اتيت نحن هنا ملح الارض" .... نعم هذه حقيقة لا ينكرها احد والا كيف استشهد المناضل الراحل زياد ابو عين على ارض ترمسعيا الصمود ؟ ...

ان المعركة طويلة ومريرة وتحتاج الى صبر وجلد وصمود وحتما سنحصد نتيجة لذلك حرية وكرامة ووطنا ودولة لها نشيد وعلم يرفرف فوق اسوار ومآذن القدس وكنائسها .

مرة اخرى " نعم للجوع ولا والف لا للركوع للادارة الاميركية او لدولة الاحتلال ومحاكمها وقراراتها الباطلة والتي لن نعترف بها قطعا . ويا جبل ميهزك ريح ".