إسرائيل تفرقنا ونحن نوحدها!!!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شرّاب

بدلا من أن يكون الاحتلال الإسرائيلي وإنهائه وصولا لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف الجامع للكل الفلسطينى، نجحت إسرائيل أن تعميق الفرقة والإنفصال بين أجزاء الجسد الفلسطيني الواحد. نعم إسرائيل نجحت فى سياسة فرق تسد. عمقت من بذور الخلاف، وظفت الجغرافيا السياسية بفصل غزة عن الضفة الغربية، نجحت في خلق سلطتان وحكومتان متصارعتان متناقضتان كل منها تحارب الأخرى. ولم تقتصر مظاهر النجاح على خلق بنية سياسية غير تصالحية، بل ما نراه ونسمعه من خطاب سياسي وإعلامي غير مسبوق وغريب ودخيل في مفرداته يعمق الكراهية والحقد والرفض والتخوين والإنكار، وتبادل التهم ، والتمسك بقاعدة انا الوطني وأنت الخائن، وسيادة مبدأ نحن وهم.

تحولت الفرقة الفلسطينية نحن وهم، وهذه تنطبق على كل من "حماس" و"فتح" وسياسة تعميق الخلافات والفرقة بين الفلسطينيين الى احد أهم ثوابت السياسة الإسرائيلية إدراكا منها أن أسهل الطرق وأقصرها لفرض ما تريد، وتقزيم القضية الفلسطينية في جزئيات صغيره، والإبتعاد بها عن جوهرها هو بخلق المعطيات السياسية الفلسطينية التي تؤكد أن الفلسطينيين غير مؤهلين لمنحهم دولة، وأنهم غير ديموقراطيين، فكيف يمنحون دولة او يمارسون الديموقراطية، وانهم إرهابيون يمجدون ثقافة العنف والتحريض، ولا يؤمنون بثقافة الحوار والتعايش، وان إسرائيل ماضية في تحقيق هذه الأهداف وهذه السياسة توظف كل مفردات الخطاب السياسى والإعلامى والديني الفلسطينيى داخليا بخلق رأي عام إسرائيلي لا يرى في الفلسطينيين إلا مجرد جماعات بشرية عابرة ، وهذا نراه في تنامي قوة اليمين والأحزاب اليمينية ، والتي أعتقد احد اسباب النجاحات فيها ما وفرناه لها من هذ المادة. وخارجيا بتصوير اسراذيل للفلسطينيين على انهم ليسوا جديرين بالدولة ، وكيف وهم منقسمون، ويحاربون أنفسهم، ويفتقدون للشرعية التي يشكك فيها فلسطينيا قبل ان تشكك فيها إسرائيل؟

ولقد لجأت إسرائيل لكافة الوسائل وألأساليب لتعميق ظاهرة الخلافات، من محاولة خلق قيادات بديلة، ومن التشكيك في الشرعية السياسية والادعاء بعدم وجود شريك للسلام، ومن تبني خطاب وثقافة التحريض والإرهاب والعنف، فالفلسطينيون سياسيا وتفاوضيا يرفضون السلام حسب زعمها، ومقاومون يمارسون الإرهاب والعنف حسب نفس المزاعم. وحقيقة أن إسرائيل دولة قوة لا يقلقها أبدا قوة المقاومة العسكرية التي لا تقارن مع قوة إسرائيل، لكن إسرائيل توظف الصاروخ والهاون والبالونات الحارقة، لتؤكد هدفها بإلصاق صفة الإرهاب بنا.

وأنا لا ألوم إسرائيل فهذا شأنها وهدفها كقوة احتلال غير شرعي معادية في محاولة تفتيت الشعب الفلسطيني، والعبرة كما يقال بالنتائج، فالإنقسام والإندفاع نحو الإنفصال بات حقيقية سياسية مؤكدة. ولا شك ان الفلسطينيين يلامون ويتحملون المسؤولية المباشرة عمّا آلت إليه الحالة السياسية الفلسطينية، ومن الإنقسام والحروب الكلامية ، ورفض الشرعية السياسية القائمه، فعندما نسمع من يقول أن منظمة التحرير لا تمثل الشعب الفلسطيني فهذا نجاح لإسرائيل بفعل فلسطيني، وعندما تفشل الحوارات في موسكو وغيرها فهذا بفعل فلسطيني.

فشل كل إتفاقات المصالحة جاء بفعل فلسطيني. نعم عندما نقول ان الفلسطينيين يرفضون المصالحة فهم ينفذون ما تريده إسرائيل.

مرحلة إنهاء القضية الفلسطينية وتفكيكها ليس بسبب ما تريهد إسرائيل وصفقة القرن، بل لأن الفلسطينيين لا يريدون المصالحة ويتمسكون بسلطتين وحكوماتين وشرعيات متصارعة غائبة. وبالمقابل الفلسطينيون يوحدون إسرائيل، فإسرائيل موحدة كلها تجاه الفلسطينيين، فرغم عدد الأحزاب السياسية في إسرائيل، وتباينها ما بين اليمين واليسار والوسط إلا أنهم كلهم متفقون حول القضايا السياسية بشأن الصراع مع الفلسطينيين، فلا دولة فلسطينية والقدس العاصمة ألأبدية لإسرائيل، والإستيطان حق ، ولا لإخلاء أي مستوطنة في الضفة الغربية ولا لعودة اللاجئين.

هذا على الرغم من أن إسرائيل تواجه مشاكل وتحديات بقاء داخليه من نزاعات إثنية وطائفيه وسياسيه وإقتصاديه ، وفساد لدى بعض قياداتها وعلى رأسهم نتنياهو، لكن هل هذه الخلافات التي يمكن أن تشكل تهديدا لبقاء إسرائيل؟ وهل التوحد من الصراع مع الفلسطينيين هو الذى يؤجل كل ذلك؟

هنا العامل الفلسطيني يوحد إسرائيل رغم كل مشاكلها. فأين الفلسطينيون من هذا الشعور وهذا الإحساس بالتوحد ؟