"التحرش الجنسي" في قطاعات العمل... الضحايا يكسرْن جدار الصمت!

المطلقات والأرامل من أكثر الفئات استهدافًا للابتزاز بسبب حاجتهن للعمل

العشرينية المطلّقة "ع. ج": طُلب مني أداء مهارات لا أتقنها لوظيفة تقدمت إليها اتضحت لي دوافع طالبها

"ع. ب": استغل مشغلي في مؤسسة ثقافية ولعي بالعمل الأدبي فحاول التحرّش بي

"ر. ش": تقدمت لقرض لإجراء عملية زراعة جنينية، فتم رفض طلبي بعد أن رفضت التحرش بي


- العنف الجنسي في العمل، قائم على علاقات القوة، ومن بيده الصلاحيات، والقرار في منح الامتيازات والترقيات والوظائف، الأمر الذي يؤدي إلى الاستغلال والابتزاز من خلال تلك الصلاحيات.

- هناك عقبات كثيرة ما زالت تحول دون صدور القانون الفلسطيني الجديد، لمحاربة الظاهرة وفي مقدمتها تعطل أعمال المجلس التشريعي.

- بحسب مراكز حقوقية في قطاع غزة، فإن النساء اللواتي يتعرّضن للتحرش يتجنبن الحديث أو حتى تقديم شكوى لدى الجهات المختصة، وحتى وإن تجرأت إحداهن بالشكوى فإنها سرعان ما تسحبها تحت ضغط الخوف من "الفضيحة".


رام الله - تحقيق خاص بـ" القدس" دوت كوم - أشارت إحصائية نشرها موقع "نساء من أجل فلسطين" إلى أن نسبة البطالة بين النساء القادرات على الانخراط في سوق العمل في فلسطين بلغ 44.7% في العام 2016 مقابل 22.2% بين الرجال، أمّا معدلات البطالة بين النساء الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر، فإنها ترتفع إلى 50.6%. في حين بلغ معدل البطالة بين الإناث 47.4% في العام 2018 مقابل 22.3% للذكور و65.8% من النساء الشابات"15-29"عاطلات عن العمل، وفق جهاز الإحصاء المركزي.

وتُستغل حاجة النساء للعمل أحيانًا من قبل البعض، في انتهاكات يتعرضن لها ومن بينها التحرش. ومن بين ضحايا مثل هذه الاعتداءات، كانت العشرينية "ع .ح" وهي أم لطفلين، ومنفصلة عن زوجها حديثًا، وأثناء سعيها للحصول على عمل في إحدى المؤسسات علمت خلال مقابلة التوظيف بأنها تحتاج لمهارات لم تكن تملكها، إلا أن المدير أوضح لها بأنها تستطيع تعلمها من خلال المزاولة، الأمر الذي اتضحت لها دوافعه لاحقًا من خلال مراسلات هاتفية، ومحاولات عديدة للتقرّب منها، وإقامة علاقة معها.

وتكررت تلك القصة مع أخريات قمن بتجريب العمل في ذات المؤسسة، حيث اتضح لهن أن الفئة المستهدفة بالتوظيف هنّ المطلقات والأرامل بسبب ما يعانينه من ظروف مادية صعبة، وأن الأمور كلها تؤول في النهاية إلى محاولات الإيقاع بهن في فخ الرضوخ، نتيجة حاجتهن للعمل.

وتكرر الاستغلال في صورٍ عديدة مع "ر. ش" وهي من رام الله متزوجة وتعاني عدم الانجاب، وتعمل في إحدى الشركات الخاصة، ومن أجل إجراء عملية زراعة جنينية كانت بحاجة لقرض مالي على راتبها، وكان مسؤولها وعدها بذلك، ولكنها وبعد أن رفضت محاولاته العديدة للتقرب منها، تراجع عن منحها القرض.

وتروي "ع. ب" من غزة تجربتها حين حاول أحد المسؤولين في مؤسسة ثقافية خلال إحدى الأمسيات استغلال ولعها الشديد بالثقافة والأدب، ورغبتها الانخراط والعمل مع هذه الفئة، بـ"التسلل" إليها من هذه البوابة، واستغلال مكانته الثقافية للتقرّب منها وفرض نفسه عليها، الأمر الذي تكرر معها مع شخصيات ثقافية أخرى أيضًا.

وتمتد بعض مظاهر التحرش الجنسي لتشمل القطاعات الخاصة والعامة والأكاديمية، حيث قالت "ب. م" وهي أستاذة في إحدى الجامعات، "إنها خلال مساعدتها لطالبة كفيفة في قاعة منعزلة لإنجاز امتحان لها مع أستاذ لمادة أخرى، جاء الأستاذ لاستلام الأوراق، وقد قام بإمساك يدها بشكل غير مريح، وحين قامت بسحبها، كرر محاولته بمسكها مرة أخرى، الأمر الذي دفعها لتهديده إن كرر المحاولة".

sexual-harassment-one-day-feature_1320W_JR-1

صورة تعبيريّة

وتتعدد مظاهر التحرش، حيث تروي "أ" تجربتها في أحد مكاتب العقارات غير النشطة حينما كانت تعمل سكرتيرة لدى "ب. م" الذي كان مكتبه ظاهرًا لها في الغرفة المجاورة من خلال صورة الخزانة الزجاجية المنعكسة. وتقول: إنه "كان على علمٍ بقدرتي على رؤيته من خلال الزجاج، وكان يتعمد القيام بتصرفات جنسية بذيئة، وذات يوم وحين ذهبت لاستلام الراتب منه، استغل حاجتي وحاول الامساك بيدي، مما دفعني للهروب وعدم العودة بتاتًا، وما زلت أعاني من أزمة نفسية كلما تذكرت تلك الحادثة".

نزال: العنف الجنسي في العمل قائم على علاقات القوة

وقالت السياسية والناشطة النسوية ريما نزال في حديث مع "القدس" دوت كوم، إن "العنف الجنسي في العمل، قائم على علاقات القوة، ومن بيده الصلاحيات، والقرار في منح كل من الامتيازات والترقيات والوظائف، الأمر الذي يؤدي إلى الاستغلال والابتزاز من خلال هذه الصلاحيات". مشيرة إلى أن "هذه القصص لا تخرج إلى النور بسبب معادلة الخسارة المتعلقة بفكرة التشكي، وهي قائمة على عدة اتجاهات، أهمها أن اللوم سيقع بشكل دائم على المرأة من خلال الأسرة والمجتمع، وأنها ستخسر عملها بشكل حتمي".

وتوضح نزال أن ما جاء في القانون الفلسطيني بشأن حالات التحرش الجنسي بأن "مفهوم التحرش مفهوم حديث، والقانون الفلسطيني الساري حاليًّا ما زال قديمًا، إلا أن قانون العقوبات الجديد أفرد بابًا كاملًا حول التحرش الجنسي وعقوباته بشكل مفصل".

وتضيف نزال: "هناك عقبات كثيرة ما زالت تحول دون صدور القانون الفلسطيني الجديد، على رأسها تعطل أعمال المجلس التشريعي، إلا أن هناك العديد من القوانين تم إصدارها بحسب قانون الطوارئ، لكن ذلك لم يشمل أي شأن من شؤون المرأة". وقالت: "أرى وجود تذرعٍ بالانقسام لعدم إصدار قوانين ملحة".

وتنصح نزال النساء في حال تعرضهن لمحاولات التحرش أو أي نوع من أنواع العنف الجنسي، القيام بالرد الفوري على المتحرش، ومواجهته، كما تنصح بالتحلي بموقف قوي من بداية تلك المحاولات "فالمتحرش يبدأ بقياس مدى قدرتك على صده قبل الشروع في محاولة أكبر".

business woman man couple sexual harassment silhouette

صورة تعبيريّة

وتشير أهيلة شومر، مديرة مؤسسة "سوا" وهي مؤسسة تسعى لتقليص العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة حول التحرش الجنسي بسبب قلة حالات التبليغ الرسمي عنه، إلا أنه يوجد ما يقارب 30٪ من الحالات التي تصل المؤسسة مرتبطة بالعنف الجنسي.

وتنصح شومر الفتيات في حال تعرضهن لأي نوع من أنواع العنف إلى التوجه للمؤسسة أو الاتصال على رقمها المجاني "121"، حيث تقوم المؤسسة بتقديم الإرشادات الاجتماعية والنفسية، إضافة إلى الاستشارات القانونية مع السرية التامة لكل الحالات التي تصل المؤسسة.

في غزة: صمت الضحايا.. وسحب القضايا!

وبحسب مراكز حقوقية في قطاع غزة، فإن النساء اللواتي يتعرضن للتحرش يتجنبن الحديث أو حتى تقديم شكوى لدى الجهات المختصة، وحتى وإن تجرأت إحداهن بالشكوى فإنها سرعان ما تسحبها تحت ضغط الخوف من الفضيحة.

ورصدت أبحاث ميدانية حقوقية أنه خلال السنوات الخمس الماضية، تم تسجيل 3 شكاوى فقط وتم سحبها سريعًا بعد أن قدمت سيدات وفتيات تعرضن للتحرش إفاداتهن، قبل أن يطلبن سحبها من الشرطة وكذلك من مراكز حقوقية.

ووفقًا لتلك المراكز، فإن النساء يخشين على حياتهن ويفضّلن الصمت على أن يقدّمن إفادتهن لأي من المراكز المختصة، أو حتى للشرطة، وذلك بسبب العادات والتقاليد وغيرها من الأسباب التي تخشى فيها النساء من تعرضهن للفصل من العمل أو حتى تعرضهن للقتل من أقاربهن في حال انكشاف أمرهن، خاصةً وأن جرائم القتل تحت مسمى "الشرف" لم تتوقف، إذ ذهب ضحيتها ثلاث فتيات منذ بدء العام الجاري؛ اثنتان وسط القطاع، وثالثة في جنوبه.