عدم ترشيح ترامب لسفير بالأمم المتحدة يؤرق أسرة السياسة الخارجية الأميركية

واشنطن – "القدس"دوت كوم- سعيد عريقات- رغم مرور أسبوع على سحب الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت اسمها كمرشحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنصب سفيرة بلادها في الأمم المتحدة، يتساءل المراقبون في العاصمة الأميركية عن سبب تلكؤ الرئيس الأميركي في تسمية شخص جديد كسفيره لدى المنظمة الدولية، وما إذا كان ذلك يمثل مشكلة للولايات المتحدة وسط تزاحم القضايا على أبواب مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكانت ناورت قد انسحبت الأسبوع الماضي، من الترشح الذي أطلقه الرئيس ترامب شفويًا يوم 7 كانون الأول 2018 في إطار حديث عام أمام الصحفيين خارج البيت الأبيض. وبحسب مصادر موثوقة في مجلس الشيوخ الأميركي، لم يقدمه (ترامب) خطيًا للمجلس الذي يصادق على التعيينات، أولاً في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ للتصويت، ومن ثم في المجلس ككل.

وأشارت ناورت في بيانها أنها تنسحب لظروف عائلية. وكانت ناورت، وهي أم لطفلين في الثامنة والعاشرة من العمر، قد اتخذت موقعها كناطق رسمي باسم وزارة الخارجية في شهر أيار 2017، حيث اضطرت للإقامة في العاصمة الأميركية واشنطن بينما ظل زوجها وطفليها في مدينة نيويورك حيث يعمل زوجها في مجال الاستثمارات المالية والبنوك.

وفيما لاحقت ناورت منذ أن رشحها ترامب شائعات وجدل بشأن تشغيلها مربية من جامايكا، وما إذا كانت تقيم شرعيًا في الولايات المتحدة أو لا، أو أن ناورت وزوجها لم يدفعا الضرائب عن المربية، وإذا ما كان هناك تفاهم بشأن التزام المربية بدفع ضرائبها، أثير الكثير من الجدل بشأن كفاءة ناورت لاحتلال هذا الموقع الوزاري الحساس.

ويعتقد العديد من الخبراء في شؤون المرشحين للمناصب الوزارية والدبلوماسية أن الرئيس ترامب، وتحت تأثير مستشاره لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، الذي نصح الرئيس بأن ناورت، التي لا تزال تحتفظ بلقب المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأميركية والمذيعة السابقة على شبكة "فوكس نيوز"، بأن ترشيحها سيسبب صداعًا للرئيس بشأن قلة كفاءتها، وأنه في حال سحب اسمها سيتجنب الرئيس صراعاً كان يمكن أن يكون عصيباً في مجلس الشيوخ للمصادقة على تعيينها.

لكن انسحاب ناورت سلط الضوء أيضاً على التحديات التي تواجه الرئيس ترامب لملء هذا المنصب. فقد كرر الإعلان المقتضب الذي صدر مساء السبت الماضي (16/2/2019) بأن ناورت لم تعد ترغب في الترشح للمنصب بسبب اعتبارات عائلية، مما أعاد ترامب -على ما يبدو مرة أخرى - إلى نقطة البداية التي أعقبت إعلانه في تشرين الأول الماضي، عن مغادرة سفيرته الأولى، نيكي هايلي، لمنصبها بحلول نهاية عام 2018.

وقد حرم رحيل هايلي المفاجئ، دون أي خطة لاختيار خلف لها، إدارة ترامب من وجود بارز في الأمم المتحدة لما يقرب من شهرين.

ويشار إلى أنه على مدار 73 عاماً منذ تأسيس الأمم المتحدة، وضعت إدارات البيت الأبيض المتعاقبة أهمية هائلة على من تختارهم سفيرًا لتمثيل الولايات المتحدة، الدولة المضيفة للأمم المتحدة والأكثر أثرًا عليها بين القوى العالمية. وقد شملوا في السابق حكام ولايات سابقين ورؤساء مستقبليين مثل الرئيس 41 جورج بوش(الأب)، ومرشحين للرئاسة مثل إدلاي ستيفنسون الثاني، ورجال قانون بارزين مثل آرثر غولدبرغ، ومجموعة من السياسيين والدبلوماسيين ذوي الخبرة من كلا الحزبين السياسيين الرئيسيين مثل جين كيركباتريك، وأندرو يونغ، ومادلين أولبرايت، وريتشارد هولبروك، إلى جانب شخصيات استفزازية لا تكن احتراما للمنظمة الدولية وتعتبر وجودها يشكل عبئا على الولايات المتحدة مثل مستشار الرئيس ترامب الحالي لشؤون الأمن القومي، جون بولتون.

ويُعتبر السفير الأميركي، المعروف رسمياً باسم المبعوث الدائم لدى الأمم المتحدة، وهو رئيس بعثة الولايات المتحدة ويمثل البلاد في مجلس الأمن، الهيئة الأممية الأقوى في الأمم المتحدة المكونة من 193 عضوا.

ويجري عادة ترشيح السفير من قبل الرئيس الأميركي ويتم المصادقة عليه أو عليه من قبل مجلس الشيوخ.

ورغم أن السفيرة أو السفير ليس عضواً في مجلس الوزراء الأميركي، يُعامل سفير الأمم المتحدة في أغلب الأحيان معاملة الوزير، ما يضعه في نفس قاعة الاجتماعات مع رئيس أقوى دولة في العالم. وتؤخذ هذه الصلة وحدها على محمل الجد من قبل الدبلوماسيين الآخرين بالأمم المتحدة، خاصة إذا كانوا يريدون نقل وجهات نظر حكوماتهم إلى البيت الأبيض.

ويعتقد بعض الخبراء أن استمرار فراغ منصب سفير لأمريكا في الأمم المتحدة إنما يأتي على خلفية شكوك الرئيس ترامب المعلنة بشأن المؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، ونبذه لبعض إنجازاتها وبرامجها الرئيسية.

فقد انسحبت إدارته على مدى العامين الماضيين من معاهدات متعلقة بتغير المناخ والهجرة؛ وأوقفت الولايات المتحدة كل دعمها المالي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين-الأونروا، كما انسحبت من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة- اليونسكو بسبب عضوية فلسطين، ومجلس حقوق الإنسان أيضا بسبب اتهامه أنه منحاز ضد إسرائيل، مما قلص النفوذ الأميركي في تلك الوكالات بحسب الخبراء، حيث أن عدم سماع صوت الولايات المتحدة على مستوى عالٍ في الأمم المتحدة، وعدم وجود مبعوث دائم لفترة طويلة يحد من الحوار ويرسل إشارة سلبية.

وطالما وشغلت القضية الفلسطينية سفراء الولايات المتحدة، فقد تعرض آرثر غولدبرغ، سفير أميركا في الأمم المتحدة أبان وبعد حرب حزيران 1967، لاتهامات من سفراء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وسفراء العالم العربي والعالم الثالث بأنه يمارس دبلوماسيته وكأنه يمثل إسرائيل وليس الولايات المتحدة، فيما فقد أندرو يونغ وظيفته كسفير الولايات المتحدة عام 1978 لمجرد أنه سلم على ممثل منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، زهدي الطرزي، ما أقام الدنيا ولم يقعدها في الكونغرس الأميركي وأروقة اللوبي الإسرائيلي.

أما باتريك موينهان الذي مرر في عهده قرار الجمعية العامة رقم 3379 الذي أقر أن "الصهيونية هي أحد أشكال العنصرية" (بأغلبية 72 دولة مقابل 32 دولة) يوم 10 تشرين الثاني 1975، فقد أطلق لسانه السليط لإدانة القرار وأسماه بالقرار الحقير، وهو القرار الذي تم إلغائه تحت ضغط الرئيس جورج بوش (الأب) يوم17 كانون الأول 1991 وهو في أوج شعبيته وقوته بعد الحرب التي شنها على العراق من أجل تحرير الكويت أملا منه (بوش) أن يؤثر ذلك إيجابًا بين أوساط اليهود الأميركيين الذي يشكلون قاعدة من الناخبين الديمقراطيين، وإعادة انتخابه لدورة ثانية في انتخابات عام 1992، ولكنه خسر مقابل كلينتون في تلك الانتخابات.

ومع العلم أن معظم سفراء واشنطن الأمم المتحدة يظهرون انحيازًا واضحًا لإسرائيل في مجلس الأمن والجمعية العامة، إلا أن السفيرة الأخيرة، نيكي هايلي، تميزت عن أسلافها بإظهارها انحيازًا سافرًا لإسرائيل لم يسبق له مثيل، حيث كتب العديد من التقارير بأن هايلي اعتمدت في دبلوماسيتها على "نقاط توجيه" من قبل اللوبي الإسرائيلي "إيباك"، أو مباشرة من السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون، خاصة وأنها كانت جاهلة بشؤون وخبايا السياسة الخارجية عند تسلمها المنصب يوم 27 كانون الثاني 2017 .

ويقوم حاليًا بأعمال السفير الأميركي في الأمم المتحدة نائب هايلي، جوناثان كوهين، وهو أيضًا من أشد المناصرين لإسرائيل.