الليكود ما بعد نتنياهو 

بقلم: برهوم جرايسي

الاعتقاد السائد بين الأوساط الإسرائيلية، هو أن ولاية الكنيست المقبلة، ستكون قصيرة زمنيا. وهناك من يشك في أنها ستصمد لعامين؛ بادعاء أن قرارا نهائيا بمحاكمة بنيامين نتنياهو بتهم فساد، بمستوى يمنعه من مواصلة الحكم، سيقود إسرائيل إلى انتخابات جديدة.

وفي هذه الحالة، فإن السؤال الأكبر: من سيخلف نتنياهو في حزب الليكود؟، وهل سيبقى هذا الحزب على حاله المتقدم اليوم؟ ومسبقا نقول، إنه مهما سيكون، فلن يكون تغيير في جوهر السياسات الإسرائيلية.


بداية يجب القول، إن كل الاحتمالات واردة في ما يتعلق بنتنياهو: بمعنى قرار جدي بمحاكمته بتهم تعد خطيرة، بموجب القوانين الإسرائيلية، المتعلقة “بنزاهة الحكم”؛ أو أنه في نهاية المطاف سيواجه نتنياهو لائحة اتهام هامشية، كما جرى مع وزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان، ليواصل حكمه، دون منافس حقيقي.


في الأسبوع المنتهي، جرت الانتخابات الداخلية في حزب “الليكود”، ومن يتابع التعليقات و”التحليلات” الإسرائيلية، بما تتضمن من تعابير، يشعر نفسه أنه أمام تعليقات على مباراة كرة قدم، إذ أن كل الأحاديث تجري عن منافسات على مواقع متقدمة، وسعي نتنياهو إلى استبعاد “النجم” العائد إلى الكنيست، الوزير الأسبق غدعون ساعر، بزعم أنه المرشّح لخلافة نتنياهو في زعامة الليكود.


وتخلو التعليقات من أي حديث عن منافسة أو جدالات داخل الليكود، حول برامج سياسية ونهج، لأنه أصلا لا توجد داخل هذا الحزب تباينات كهذه، بل المنافسة هي على من هو أشد تطرفا ضد الشعب الفلسطيني، ومن “بقدرته” ضمان “أرض إسرائيل الكاملة”، وفي هذه الخانة يبرز شخص ساعر.


ولكن في حال اضطر نتنياهو للنزول عن رأس هرم الحُكم، فإن حزبه سيعود إلى دائرة الصراعات الداخلية، إذ أن نتنياهو حرص، منذ أن عاد لرئاسة الحزب في العام 2006، على استبعاد كل شخصية في حزبه، لديها احتمال ولو بسيط جدا، بأن تشكل تحديا له على رئاسة الحزب. وكل الأسماء التي نراها اليوم، بمن فيها ساعر، الذي يحظى بأضواء إعلامية، ليست بمستوى النجومية التي يحظى بها نتنياهو. 
ومن الممكن القول، إن أي شخص سينتخبه الحزب لرئاسته، سيواجه خصومة شديدة من شخصيات منافسة، وهذه وصفة سهلة لإضعاف قوة الليكود، وحتى الوصول إلى حالة انشقاق، ولكن في خلفية كل هذه الصراعات المتوقعة، هي منافسات شخصية وليست سياسية على الاطلاق.


وأزمة كهذه في الليكود، ستعمق الأزمة القائمة منذ قرابة 25 عاما في الحلبة السياسية الإسرائيلية: برلمان مشتت، وغياب الكتلة البرلمانية التي تستحوذ على أكثر من ثلث المقاعد، وظهور أحزاب كفقاعات، تدوم لولاية واحدة أو اثنتين، لتختفي بذات السرعة التي ظهرت فيها. وهذا ما تدل عليه استطلاعات الرأي التي تظهر تباعا، بما فيها استطلاعات نهاية الأسبوع.


الانتخابات في الليكود أظهرت وجه الحُكم الصهيوني الحقيقي، ليس فقط على مستوى التمسك بالسياسات العدوانية الدموية ورموزها، وإنما أيضا على مستوى الفساد المستشري في مؤسسات الحُكم، وتصل أطرافه إلى العالم السفلي. ولا غرابة من أنه في الآونة الأخيرة، كثرت المقالات التي تظهر في الصحف الإسرائيلية، وتصف نتنياهو بالأزعر، وهو كذلك بالتأكيد.


فالحزب أعاد انتخاب وزير ونائب، متورطين بقضايا فساد. وهما: وزير الرفاه حاييم كاتس، الذي صدر ضده قرار أولي بتقديمه للمحاكمة في قضايا رشوة وخيانة الثقة.

والنائب دافيد بيطان، الذي يُعد من أقرب المقربين لنتنياهو، ويواجه تحقيقات منذ أكثر من عام ونصف العام، بشأن تلقي رشوة وأموال مشبوهة من العالم السفلي، حينما كان نائب رئيس بلدية إسرائيلية؛ وحسب ما ينشر، فإن تقديمه للمحاكمة هي مسألة وقت.
وينضم هذان لنتنياهو، الذي ينتظر قرار المستشار القضائي للحكومة بشأن تقديمه للمحاكمة في ثلاثة ملفات.

ولن تكون “مخاطرة زائدة”، بأن نتوقع أنه بعد فترة من الانتخابات، ستتكشف ملفات أخرى ضد آخرين، كما دلت تجربة العقدين الآخرين، على الأقل.

وما يراد قوله، إن الفساد ينخر في حزب الليكود، بدءا من رأسه المتعفن، ومن خلاله في مؤسسات الحُكم.

وقد قلنا، وإسرائيليون كثيرون قالوا في ما مضى، إن النظام الدموي الذي مارس الاحتلال والاستبداد والعنصرية، هو بالتأكيد نظام فاسد، أيضا في قضاياه الداخلية.