الأخوّة الإنسانية تهزم صراع الحضارات

بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس

وكأن الإمارات، قيادة وشعباً، كانت تدرك أنها مقبلة على حدث جلل باستضافتها «ملتقى الحوار العالمي بين الأديان حول الأخوّة الإنسانية»، باستقبالها للبابا فرنسيس بابا الفاتيكان ليشارك في هذا الملتقى مع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وكوكبة من علماء المسلمين والمسيحيين وكبار المثقفين والعلماء. البعض شغلته زيارة البابا في حد ذاتها، وهو أمر طبيعي لأنها الزيارة الأولى من نوعها لبابا الكنيسة الكاثوليكية للجزيرة العربية، كما شغله القداس الذي أقامه في مدينة زايد الرياضية.

الحدثان مهمان: زيارة البابا، والقداس بما يشكلانه من تفرد تحظى به الإمارات، لكن الحدث الأهم الذي جاء ليفسر خلفيات كل تلك الحفاوة التي أظهرتها الإمارات للبابا والإمام الأكبر شيخ الأزهر، كان إطلاق أهم وثيقة في تاريخ العلاقة بين الإسلام والمسيحية من أبوظبي. وهكذا تجد الإمارات نفسها تمثل الضلع الثالث الذي يشكل قاعدة المثلث لهذه الوثيقة التاريخية غير المسبوقة التي تليق بالإمارات شعباً وتاريخاً ودوراً ومسؤولية: الأزهر الشريف والفاتيكان ودولة الإمارات.

لم تكن الإمارات مجرد مقر استضافة ملتقى حوار الأديان حول الأخوة الإنسانية، أو للضيفين الكبيرين، أو لإعلان الوثيقة، بل هي طرف منشئ ومؤسس لهذه الوثيقة من خلال الدور الذي اختارته لنفسها بتولي ريادة الدعوة إلى التسامح بين الأمم والشعوب ونشر قيم الإسلام والأخوة الإنسانية، وما ترتئيه لنفسها من مسؤولية حمل محتوى الوثيقة التاريخية والدعوة لها على كل مستوى العالم. وهذا ما حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على توضيحه بالقول: إن «ما يكسب زيارة قداسة البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر للإمارات رمزية خاصة أنها تأتي خلال العام الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عاماً للتسامح، لنؤكد أن الدور الإماراتي في نشر التسامح والعمل من أجله يتجاوز الإطار المحلي إلى الإطار العالمي، وأن تجربة الدولة الرائدة في هذا المجال جعلتها وجهة عالمية لإطلاق المبادرات الحضارية لدعم الإخاء الإنساني».

بهذا الإدراك نستطيع أن نقول: إن الإمارات أضحى في مقدورها هزيمة دعوة «صراع الحضارات» التي أطلقها عدد من كبار المفكرين الغربيين وعلى رأسهم عالم السياسة الأمريكي الراحل «صموئيل هنتنجتون» وغيره.

وهي الدعوة التي حاولت التأسيس لنوع جديد من الصراع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبسببها كان الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية طوال سنوات الحرب الباردة، وجاءت دعوة «صراع الحضارات» لتشغل العالم طوال العقدين الماضيين وبالتحديد منذ أحداث 11 أيلول 2001 التي فجّرت حرباً عالمية أمريكية ضد ما أسماه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش ب «الحرب على الإرهاب الإسلامي» ولتؤسس لصراع بديل جعل من الإسلام والحضارة الإسلامية عدواً للغرب ولحضارته.

الآن يبدأ العالم عهداً جديداً وفي القلب منه العالمان الإسلامي ممثلاً بالأزهر الشريف، والمسيحي (الكاثوليكي) ممثلاً بقداسة البابا فرنسيس ومعهما دولة الإمارات، عنوانه السلام والتسامح والمحبة والاحترام المتبادل بين الأديان ومطالبة العالم وقادته بوقف نزيف الدماء والصراعات وإزهاق الأرواح البريئة على نحو ما طالب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف على أساس أنه «ليس هناك من بديل آخر: إما أن نبني المستقبل معاً، وإلا فلن يكون هناك مستقبل» على نحو ما أوضح قداسة البابا فرنسيس.

لقد أرست «وثيقة الأخوة الإنسانية» الأسس لانفتاح العالم كله بكافة دياناته وشعوبه على عصر جديد من الأخوة الإنسانية والتسامح عبر ما تضمنته الوثيقة من تأكيدات أبرزها:

القناعة الراسخة بأن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية، والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان وإيقاظ نزعة التدين لدى النشء والشباب لحماية الأجيال الجديدة من سيطرة الفكر المادي، ومن خطر سياسات التربح الأعمى واللامبالاة القائمة على قانون القوة لا على قوة القانون، وأن الحرية حق لكل إنسان اعتقاداً وفكراً وتعبيراً وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلاً ثابتاً تتفرع منه حقوق حرية الاعتقاد وحرية الاختلاف وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة بعينها أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.

أن العدل القائم على الرحمة هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفه.

أن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي تحاصر جزءاً كبيراً من البشر.

إن الحوار بين المؤمنين يعني التلاقي في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة واستثمار ذلك في نشر الأخلاق والفضائل العليا التي تدعو إليها الأديان.

إلى جانب هذه القيم الأساسية العليا للتعايش الإنساني التي حملتها الوثيقة فإنها دعت أيضاً إلى نبذ الإرهاب باسم الدين وإدانته، وإلى حماية دور العبادة، واحترام مبدأ المواطنة القائم على المساواة في الواجبات والحقوق دون تمييز لأي سبب من أسباب التمييز، والدعوة إلى تدعيم العلاقة بين الشرق والغرب، وإلى الاعتراف بحقوق المرأة، وأهمية الأسرة، وحماية حقوق المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، باعتبار أن هذه التزامات لا يمكن التفريط فيها من أجل إعلاء القيم العليا التي أرستها الوثيقة.

...عن "الأهرام" المصرية