معادلة ... شيزوفرينيا

بقلم : حمدي فراج

لتشخيص حالة الشعب الفلسطيني في حقبة ما بعد اوسلو ، بدون "اللف والدوران" على اعتبار أنه –التشخيص –المقدمة الحقيقية للعلاج الصحيح ، فإننا مصابون بمرض نفسي وعقلي يطلقون عليه اسم الشيزوفرينيا ، وترجمتها العلمية "الفصام" ، وهو في غالب الأحيان مرض مستفحل لا علاج له عند الأفراد ، يقول فيه الفرد غير ما يفعل ، ثم يختلط عليه الامر بين ان كان قد قال أم قد فعل ، ويؤجل أحيانا الفعل معتقدا انه يؤجل القول ، ويعجل في القول على أنه الفعل ، ويتضارب ما بين السر والعلن ، حتى يختلط عليه أمرهما ، فيعتقد أن العلن هو السر والسر هو العلن ، فتراه يكشف عن عورته لقضاء حاجته أمام الناس ، وحين يتم نهره ، يحتد بغضب شاتما مهددا متوعدا ، من انكم لا تفهمون ، ولا تميزون بين الصح والخطأ ، بين الشارع والمرحاض .

نعم ، لقد وصلنا الى مثل هذه المرحلة ، ما معنى الخلاف الذي يستمر عشرات السنين بين الاخوة دون أن تلوح أي بارقة أمل ان المختلفين اخوة لهم هدف واحد ، حتى في اكثر الظروف حلكة وصعوبة ، أقصد "صفقة القرن" ، تراهم يزدادون خلافا وتزمتا وشراسة ، حتى ان احدهم قال مؤخرا ان لا لقاء معهم في موسكو ، وإمام في المسجد نادى بجلبهم مقيدين بالسلاسل كأننا في عهد الحجاج .

ما معنى أن كل طرف يتهم الطرف الاخر بأنه متواطيء مع "صفقة القرن" ، في حين انه عندما يتحدث عن نفسه يصورها انها مؤلهة معظمة وهي الاقرب الى ما يكون بجنون العظمة في دولة عظمى ، أو مقاومة تقطع دابر اسرائيل ، هذا يحرم حلاله وذاك يحلل حرامه فيما يخص العلاقة معها وهي التي ما زالت تحتلنا وتنتهك حرماتنا صيفا وشتاء صبحا ومساء ، ما عبر عنه الزميل ابراهيم ملحم في مقاله الاخير بعنوان "انحط حتى صار وزيرا" .

لا مقال ملحم ، ولا رحيل الأسير فارس بارود في عتم زنزانته التي اطبقت عليه ثمانية وعشرين عاما ، اي قبل توقيع اوسلو ، بعد ان اطبقت الدنيا على والدته وهو وحيدها خمس عشرة سنة دون ان تراه قبل رحيلها الأبدي، وهي نفسها التي أطبقت على آخرين بمنافع وامتيازات وشركات وعقارات ومناصب : عمداء وعقداء في الجيش والاجهزة ، وزراء في حكومة توافق او حكومة فصائل وقبلها تكنوقراط ، ستنقذ اسيرا مريضاً يتربصه الموت ، له من السنوات أكثر من بارود عمرا وقيداً ، باستثناء التسابق على إصدار بيانات النعي والتنديد .

شيزوفرينيا الشعوب قابلة للعلاج ، عكسها عند الأفراد الذين يصل الأمر بمن أصيب بها أن يضع حدا لحياته ، ذلك ان الشعوب لا تنتحر ، إنها كما قال أحد فلاسفة اليونان القديم ، مثل ماء النهر ، متدفقة لا ترسو على حال ، كل لحظة فيها تحمل لنا ماء جديداً .