عن النشاط الإسرائيلي المتنامي في أمريكا اللاتينية

بقلم: د. اسعد عبد الرحمن

علاوة على نجاحاته في اختراق إفريقيا، كان (بنيامين نتنياهو) قد باشر نشاطه في أمريكا اللاتينية حتى قبل فوز قوى، ذات توجه يميني في القارة، بانتخابات بلادها. ولعل نجاحه الأكبر كان مع الرئيس البرازيلي (جاير بولسونارو) الذي حضر (نتنياهو) حفل تنصيبه في أول زيارة يقوم بها رئيس حكومة إسرائيلية إلى البرازيل. وفي السياق، أكدت الحكومة الإسرائيلية أن زيارة رئيسها لأكبر دولة في أميركا اللاتينية عززت المبادلات التجارية والاقتصادية بين البلدين التي يبلغ حجمها 1.2 مليار دولار. وكان (نتنياهو) قام في العام الماضي بأول جولة لرئيس حكومة إسرائيلية في أميركا اللاتينية شملت الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، سعى خلالها لتوسيع علاقات إسرائيل الدبلوماسية والسياسية من خلال الصادرات التكنولوجية والدفاعية، ولإقناع تلك الدول بالتصويت لمصلحة إسرائيل في الأمم المتحدة خاصة عندما تواجه انتقادات بشأن مواقفها ضد الفلسطينيين.

كعادتها، استثمرت إسرائيل سلاح الاقتصاد لاستمالة دول لاتينية ولتحسين الأوضاع الاقتصادية للدولة الصهيونية. فتحركات (نتنياهو) "الاقتصادية" بدأت عام 2013 حينما أعلن أن "الحلف الباسيفيكي لأمريكا اللاتينية هو الهدف الاقتصادي المقبل الذي سيمكن الاقتصاد الإسرائيلي من الاستمرار في النمو". وقد لخص رئيس قسم أمريكا اللاتينية في وزارة الخارجية الإسرائيلية (مودي آفرايم) هذا الأمر مؤخرا بقوله: "اليوم هناك نحو 150 شركة إسرائيلية تعمل في المكسيك، وأكثر من 100 شركة في كل من كولومبيا والأرجنتين، كما يوجد في البرازيل نحو 200 شركة إسرائيلية تنتج معدات تكنولوجية متقدمة، و42 شركة إسرائيلية تنتج أنظمة ومعدات أمنية، و17 شركة تنتج معدات وأجهزة طبية". أضف إلى ذلك، ما كشفته مؤخرا تقارير "شعبة الصادرات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية"، عن "تلقي دول أمريكا اللاتينية كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية ساعدت على تقوية علاقات تلك الدول بإسرائيل، وانعكس فيما بعد على دعمها لها في المحافل الدولية، على رأسها القرارات الأخيرة لبعض دول أمريكا اللاتينية بنقل سفاراتها للقدس"، وهي هندوراس وغواتيمالا وباراجواي، قبل أن تتراجع الأخيرة.

صحيفة "البايس" الإسبانية، نشرت تقريرا كاشفا تحدثت فيه عن العلاقات الجديدة التي تسعى إسرائيل إلى تعزيزها مع دول أمريكا اللاتينية، وتناولت البرازيل كمثال. ولقد جاء في التقرير: "العلاقات التي تجمع بين البرازيل وإسرائيل ليست نتاج سياسة عقلانية لدولة ذات سلطة أو تحفيزا للتعاون الدولي، وإنما هي ثمار الإيديولوجيات والأعراف والقيم. فنحن نعيش في حقبة زمنية محافظة ودينية بامتياز". وكما هو معروف، ينتشر المسيحيون الإنجيليون في أمريكا اللاتينية، وهم يشعرون بأنهم مرتبطون بالقضية اليهودية. وفي السياق، علق (مارسيو بالاسيوس) مدير مدرسة العلوم السياسية في جامعة "سان كارلوس" في جواتيمالا، قائلا: "المسيحيون الإنجيليون في أمريكا اللاتينية مقتنعون بأن إعادة بناء معبد يهودي في جبل الهيكل بالقدس سيؤدي في نهاية المطاف إلى عودة يسوع المسيح".

نشاط (نتنياهو) لم يكن سببه الوحيد إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول أمريكية لاتينية بل هو جاء كذلك لمنع انهيار علاقات قوية مع دول أخرى مؤيدة للدولة الصهيونية تسير في الأصل في الفلك الأمريكي بالقارة اللاتينية، خاصة بعد قرار باراجواي التراجع عن نقل سفارتها إلى القدس المحتلة، الأمر الذي اعتبرته إسرائيل صفعة قوية لها، وذلك بعد أسابيع من قرار آخر اتخذته كولومبيا، بالاعتراف بدولة فلسطين، وكلا الدولتين من الحلفاء المقربين من إسرائيل. وهذا الواقع يشير إلى أن قرارات بعض دول أمريكا اللاتينية بدعم إسرائيل في السنوات الماضية ارتبطت باسترضاء الإدارات الأمريكية في ظل اعتمادها إلى حد كبير على المساعدات من واشنطن، لكن الحال تغير مع سياسة (ترامب) "أمريكا أولا" وتخليه عن كثير من حلفائه. وعن ذلك، قال (آري كاكوفيتش) الأستاذ في الجامعة العبرية بالقدس، المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية: "قادة القارة اللاتينية يتطلعون إلى كسب الولايات المتحدة للحصول على الدعم، وعلى الرغم من أن بعض تلك الدول تتطلع إلى تقوية العلاقات مع إسرائيل، إلا أن هذا ليس محور اهتمامها الأساسي، فعلاقتها مع الولايات المتحدة هي كل هدفهم ومرادهم".

خلال الحروب على "قطاع غزة"، تجاوزت معظم دول أمريكا اللاتينية بيانات الإدانة لإسرائيل، إلى استدعاء بعض دولها سفراءها من تل أبيب، فيما خرجت مظاهرات ومسيرات في معظم دول أمريكا اللاتينية تضامنًا مع "القطاع" والقضية الفلسطينية. وعليه، فإن نجاح إسرائيل في أمريكا اللاتينية يعني خسارة صوت كبير داعم للقضية الفلسطينية. فهل ندعو من جديد جامعة الدول العربية، بل كل دولة عربية، إلى أخذ زمام المبادرة السياسية/ الدبلوماسية لمواجهة النشاط الإسرائيلي في أمريكا اللاتينية (وفي إفريقيا أيضا) أم ترانا "ننفخ في قربة مخزوقة"؟!!!