القوة الناعمة الفلسطينية والمنظومة ألأخلاقية !!

بقلم: دكتور ناجي صادق شرّاب

يعاني المجتمع الفلسطيني من حالة غير مسبوقة من التدهور والإنحدار في منظومته القيمية الحاكمة والناظمة لتماسك وقوة المجتمع. وتلعب القوة الناعمة دورا سلبيا في عملية التدهور في منظومة القيم الأخلاقية، وذلك لسبب بسيط هو بعثرة القوة وتشتتها ما بين القوى والفصائل الفلسطينية وخصوصا حركتا «فتح» «حماس».

ومن ناحية أخرى فإن كل الفصائل لها مصادر قوتها الناعمة.

والسبب ألاخر أن توظيف القوة الناعمة والتي يقصد بها القدرة في التأثير على أفكار وسلوكيات المستهدفين، والعمل على تغيير أفكارهم وحتى منظومة القيم التي تتحكم في سلوكياتهم . فغياب المرجعية الأخلاقية أحد أسباب هذا التدهور، فالقوة توظف هنا لأهداف تحقق مصالح وأولويات كل فصيل. كل فصيل يريد أن يخلق الداعمين والمساندين له بتقليص الداعمين للفصيل ألاخر. ومن ناحية التشكيك في منظومة القيم التي يتمسك بها ويدافع عنها الفصيل الخصم أو المنافس.

هذه الحالة من التراجع تتناقض وحالة الاحتلال التي يخضع لها الشعب الفلسطيني والآراضي الفلسطينية والتي تفترض التماسك حول منظومة القيم الأخلاقية التي حكمت نسيج العلاقات المجتمعية والسياسية الفلسطينية على مدار عقود طويلة.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن من أهم عناصر قوة الشخصية الفلسطينية الوحدانية في الهوية والإنتماء ، الفلسطينيون وعلى مدار تاريخهم شكلوا كتلة بشرية واحدة تجمعهم منظومة واحدة من الأخلاق إستندت على روح التآخي ، والمصير الواحد والمعاناة الواحدة، ولم يشعر الفلسطينيون في يوم ما أنهم منقسمون مجتمعياً وقيمياً كما هم اليوم.

لا فرق بين فلسطيني في الداخل أو الخارج، أو مسيحي ومسلم، أو مواطن ولاجئ، الكل كان يشعر ان قوة منظومة القيم الأخلاقية كانت من القوة ما حال دون لك، اليوم الإنحدار واضح ، ويواكبه إنحدار في المنظومة الأخلاقية ، اليوم نسمع عن توصيفات جديدة فتحاوي وحمساوي وجبهوي وديموقراطي وضفاوي وغزاوي، ومتشدد ومتطرف ومعتدل، إلى آخر هذه التوصيفات الغريبة .

الذي ساعد على تسارع هذا الإنحدار هو القوة الناعمة بكل عناصر ومكوناتها التي يملكها كل فصيل. وهنا أذكر بقوة المنظومة الأخلاقية في أي مجتمع بقوله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم». وقوله تعالى : «فبما رحمة من الله لنت لهم» ، «ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك».ال عمران 159.

هذه الرسالة الأخلاقية لها دلالات سياسية عميقة وخصوصا في الحالة الفلسطينية التي تعاني من شتى وسائل الحصار والتفكيك والإستهداف من قبل إسرائيل. هذا وقد ساهمت عوامل كثيره في هذا الإنحدار في المنظومة الأخلاقية ، بتحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع إستهلاكي ، وسيادة عامل السلطة والتمسك بكرسي الحكم الذي غلب على أي قيمة أخرى.

ولقد لعبت عناصر القوة الناعمة دوراً كبيراً في هذا المنحى السلبي من خلال وسائل التواصل الإجتماعي والتي حولت المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع مفتوح لكل المؤثرات الخارجية ، وهنا تكمن فرضية ان مناعة وقوة الشعب الفلسطيني قبل الإنقسام كانت كفيلة بإحتواء أي آثار سلبيه، أما مع الصراع على السلطة والخلافات الداخلية فقد الشعب الفلسطيني الكثير من مناعته القيمية والمجتمعية ، مما أدى إلى ظهور الكثير من الصور السلبية كالعماله، والغربة السياسية وضعف الإنتماء والولاء ، والرغبة في الهجرة .

والسؤال كما اشرنا: أين هو دور القوة الناعمه؟ القوة الناعمة لا تقل أهمية عن القوة الخشنة، بل قد تفوق أهمية القوة الخشنة أو الصلبة بما لها من تاثير في تغيير السلوك والتصورات السياسية، وفي القدرة على التغلغل في قلب الطرف المستهدف داخلياً أو خارجياً. وفلسطينياً يملك الفلسطينيون الكثير من عناصر القوة الناعمة سواء في وسائل التواصل أو «الميديا» ألإجتماعية ، وفي الفضائيات والآعلام، ومراكز البحث والتفكر، وفي دور النخب الفكرية والثقافيه.

وعلى الرغم من تعددها إلا إنها تتسم بالتشتت ، وبدلا من إستهداف والتغلغل في قلب إسرائيل ، وعالميا لتوصيل حقيقة القضية الفلسطينية ، والمعاناة التي يكابدها الشعب الفلسطيني ، نجد التركيز المكثف على الإستهداف الداخلي بين الشرائح المختلفة للشعب الفلسطيني ، الذي بدأ يسمع رسائل متناقضة في مضمونها وغريبه عن قيمه التي تنشأ وتربى عليها.

والنتيجة الحتمية التخلي عن كثير من القيم الثابتة ، وإحلالها بقيم وتصورات جديدة تجعلنا أمام اكثر من شخصية فلسطينية، ومما زاد الأمور كارثية الدور التشكيكي والتفكيكي للنخب الفكرية والثقافية التي باتت تحمل تصورات وقيماً ضيقه تعبر عن تنظيماتها، وزاد الأمر خطورة توظيف الدين وهو من أهم عناصر القوة الناعمة تأثيرا وخصوصاً في مجتمع يلعب الدين دورا محوريا في تكوين السلوك والتصرف والفعل فيه كالمجتمع الفلسطيني .

هذه التداعيات السلبية من شأنها أن تحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع تابع، ويعاني من كثير من عوارض الهشاشة السياسية ، وهذا في النهاية قد يقود الى التسريع في التخلص من قوة المجتمع الفلسطيني الحاضن لمقاومته وسلطته. هذا يتطلب المراجعة النقدية ، وإعادة النظر في دور كل مكونات القوة الناعمة ، وضبطها بمنظومة القيم الأخلاقية الأصيلة للمجتمع الفلسطيني ، المجتمع الفلسطيني وبيئته السياسية من أكثر المجتمعات والبيئات السياسية المستهدفة بكثير من موجات وتيارات الحرب الفكرية وأقربها إسرائيل.

drnagishurrab@gmail.com