رسالة من سجون إسرائيل

بقلم: الدكتورة هدى عبد الناصر

وصلتني الرسالة التالية من الأسير السوري في سجون الاحتلال الاسرائيلي صدقي المقت، في ذكرى ميلاد عبد الناصر جاء فيها ما يلي: دكتورة هدى تحياتي لك وللأسرة الكريمة. لم يسبق أن التقينا أو تحدثنا، لكنه يكفي أن يقال لى إنك ابنة جمال عبد الناصر حتى أحس أنه يربطني بك أجمل وأروع وأنبل شخص عرفه العصر الحديث، فهو يلامس أكثر الأماكن وجدانية في عمق مشاعري.

مجرد سماع صوته أو اسمه أو مشاهدة صورته وحده كاف لأتوقف عن كل شيء، وأنقطع عما حولي لألتفت إلى مصدر الصوت والصورة.

أنا ابن جيل ولد في رحم العام 1967، نشأت في بيت كل يوم يذكر به اسم جمال عبد الناصر. أعترف أنني أعشقه لأبعد حدود العشق، وأعترف أنني آمنت بمشواره إلى أبعد حدود العقل.

منذ طفولتي أسكن تلك المساحة الممتدة ما بين العقل والعاطفة، في عاطفتي أحسد كل من عاش فترة الحلم الذهبي تلك، أتمنى لو أنني عشت كل حياتي في عصر جمال عبد الناصر. وبعقلي أتابع وأحاول أن أستوعب كل تلك التحولات التاريخية التي أحدثها ذلك العصر.

اليوم وفي ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، وإزاء حالة الانهيار والانحطاط والتخلف التي تمر بها الأمة في هذه المرحلة، نحن أحوج ما نكون إلى التمسك أكثر من أي وقت مضى بذات الثوابت والمبادئ التي ثار وحارب لأجلها جمال عبد الناصر، ومعه كل شرفاء الأمة.

فذات القوى الاستعمارية التي حاربها عبد الناصر، إبان العدوان الثلاثي تجتاح اليوم وطننا العربي، وعبر ذات الأدوات العميلة والمأجورة التي تآمرت على المشروع الناصري، والمشروع الصهيوني الذي كرس جمال عبد الناصر كل حياته لمواجهته فقط، ها هو اليوم يدخل وفي وضح النهار عواصم عديدة في وطننا العربي.

الإخوان المسلمون الذين أطلقوا الرصاص على زعيم هذه الأمة في الإسكندرية عام 1954، كانوا على وشك إسقاط الأمة كلها في مستنقعهم الظلامي الإجرامي التكفيري، وجيش الفقراء الذي أفني جمال عبد الناصر عمره لأجل لقمة عيشهم هم في ازدياد كبير، والأمية التي حاربها تحتفل بانتصارها على العلم والتنوير، والإنسان العربي يذبح في الساحات العامة وسط التهليل ومهرجانات التخلف والإجرام، والحر الشريف تغلق في وجهه كل الحدود والأبواب، ويساق إلى السجون والمعتقلات. والقائمة تطول ولا تنتهي.

إن المعركة التي تخوضها سوريا اليوم بشعبها وجيشها وقيادتها, هي امتداد لذات المعركة التي خاضها عبد الناصر، ذات الأعداء، وذات الأدوات، وذات الحلفاء والأصدقاء، وإن اختلفت ساحة المعركة من بورسعيد إلى حلب، ومن ساحة المنشية في الإسكندرية إلى العريش والغوطة وإدلب والجيزة، وإنما الانتصار كبير الذي تحقق ويتحقق في سوريا الآن, هو امتداد لتلك الانتصارات العظيمة التي قادها زعيم الأمة جمال عبد الناصر.

إننا أحوج ما نكون الآن لإعادة تجميع كل القوى الإيجابية الشريفة الحية والمناهضة للاستعمار والصهيونية والرجعية، والمناهضة لكل قوى التكفير والإجرام، تجميع كل تلك القوى الأمينة على إرث عبد الناصر، والحاضنة للمشروع التقدمي النهضوي التحرري، لإعادة صياغة وبناء هذا المشروع على ذات الأسس والركائز بما يتناسب وأدوات العصر.

الدكتورة هدى، تحياتي لك وللأسرة الكريمة، ومن خلالك تحياتي لكل شرفاء وأحرار الأمة، ولكل محبي جمال عبد الناصر. مع تحيات الأسير العربي السوري في سجون الاحتلال الاسرائيلي، ابن الجولان العربي السوري المحتل، صدقي المقت. سجن النقب.. وشكرا.

وفيما يلي ردي على هذه الرسالة: الى الأخ: صدقي المقت, تحية لك في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها، والتي لم تمنعك من التفكير في القضية الأكبر, وهي إعادة بعث عقيدة القومية العربية ووحدة الشعوب العربية، التي نجحت قوى الاستعمار الجديد، بالتعاون مع بعض القادة العرب، في نقلها إلى خلفية الوجدان العربي للأجيال الحالية.

لقد وحّدتنا القومية العربية منذ مئات السنين، وجاء عبد الناصر، فجعلها رمزا وحقيقة أفزعت الغرب الاستعماري، ودفعته للتآمر عليه طوال الثمانية عشر عاما التي قاد فيها الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط، بغض النظر عن الحكومات التي كانت تتحكم فيها.

ولن أنسى أبدا في 1956، عندما أجمعت الشعوب العربية كلها على الإضراب في 16 آب في تاريخ انعقاد مؤتمر لندن، من أجل تدويل قناة السويس بعد أن أممها عبد الناصر في 26 تموز، واستردها للمصريين الذين حفروها في أرضهم بالدماء الغالية.. إن قوة العقيدة العربية لا تحتاج للوحدة الدستورية، إنما يكفيها ما كان يحدث في الخمسينيات والستينيات من إجماع الشعوب العربية على الاعتراف بقدرها المشترك ومصلحتها ككيان واحد. وللأسف ما يحدث الآن هو الشقاق العربي، وانغلاق كل دولة على نفسها, وبرزت النعرات الدينية والعرقية، وتم تنفيذ المخطط الغربي الصهيوني لتفتيت الدول العربية، حتى تسهل السيطرة عليها فرادى ضعيفة.

لقد هزّتني مشاعرك القومية العربية، وأثارت في نفسي الحنين, فأنا من جيل الستينيات الذي عاش وهج القومية العربية بانتصاراتها وهزائمها التي كانت بتآمر الغرب مع اسرائيل، التي لم تضعف الشعور القومي العربي، بل أظهرت قوته في أحلك الأيام. وأنا معك ليس فقط في الدعوة الى تجميع القوى الشريفة لإعادة صياغة مشروع عبد الناصر القومي، وإنما أولا إلى ترسيخ عقيدة القومية العربية في نفوس شباب اليوم والمستقبل، ولكن كيف؟.

هذا ما يجب أن يفكر فيه كل عربي قيادي مخلص. واسمح لي أخ صدقي أن أشاركك الفكر، وأقول إن هذه العملية تنقسم إلى شطرين.. الأول: جانب وجداني وفكري، وأرى أن هذا يمكن تحقيقه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، على أن توضع خطة محكمة لبعث الشعور القومي العربي، وأيضا بالاتصال بين المهتمين بالشأن العربي في كل أنحاء الوطن العربي وعرب المهجر.

الثاني: عملية سياسية لتجميع قوى القومية العربية، وهذه أصعب، ولكنها ستتحقق تدريجيا بمزيد من التعارف والتلاقي من جانب القوى القومية..

الأخ صدقي.. إن صيحتك هذه من سجون الاحتلال الصهيوني لهي نداء قومي يحث شبابنا العربي على أن يتمسك بعروبته, فهي الملاذ الأكيد لهم ولمن بعدهم في مواجهة الصهيونية والاستعمار الجديد.