نريد حكومة دولة تستمد شرعيتها من منظمة التحرير

بقلم: الدكتور ناجي صادق شرّاب

استاذ علوم سياسية - غزة

نحن على أبواب تشكيل حكومة فلسطينية جديدة تضاف لسجل الحكومات السابقة، وكلها سقف حدودها السياسية العليا أوسلو ما لم يعلن غير ذلك وأقصد حكومة دولة، وذلك في أعقاب الاجتماع الأخير للجنة المركزية لحركة «فتح»، وهو ما رفضته حركة «حماس»، واعتبرت ذلك تكريسا للإنقسام وإنقلاباً على الإتفاقات الموقعة ، وهو مردود عليه أن حكومة التوافق التي تتمسك بها حركة «حماس» لا تعمل في غزة، وغير قادرة على القيام بمهامها المختلفة، بعيداً عن هذا الجدل السياسي الذي تعودنا عليه مع أي تغيير أو أي قرار سياسي بالتغيير.

ولعل الملاحظة التي يجدر الإشارة إليها أن المطالبة بالتغيير أو التوصية بالتغيير جاءت من اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وكان يفترض أن تأتي من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. ومن هنا كان الإعتراض. إبتداء هي حكومة منظمة التحرير ومرجعيتها السياسية، وتغيير الحكومة يعبر عن مرحلة سياسية جديدة، فتغيير الحكومات ليس الهدف منه تغيير الأشخاص فقط، أو التغيير في الأهداف والأولويات فقط، ولا يعني أن الحكومة السابقة قد فشلت، لكنها في الوقت ذاته لم تستطع في تحقيق الغاية الأساسية التي من أجلها شكلت حسب إتفاق الشاطئ وهو التمكين السياسي الكامل في الضفة وغزة.

وقد يقول قائل أن الحكومة الجديدة أيضا لن تستطع أن تبسط سلطاتها على غزة ، وهذا صحيح، لكن سوف تكون له تداعيات سياسية خطيرة، فالحكومة الجديدة كما أشرت هي حكومة منظمة التحرير الفلسطينية ، وستمنح المنظمة شرعيتها ، وشرعية المجلس المركزي في حالة صعوبة عقد المجلس الوطني ، لذلك الحكومة الجديدة بحاجة لشرطين:الأول موافقة وتأييد منظمة التحرير على إعتبار أن تشكيلها سيكون ممثلا للفصائل الممثلة في المنظمة وليست مجرد إتفاق ثنائي بين «حماس» و«فتح» كما في حكومة التوافق، وهذا يعطيها صفة تمثيلية أكبر ولو كان شكلياً. ويفترض أن تعكس الحكومة هذا التمثيل وبقدر هذا التمثيل بقدر الشرعية والشرط الثاني أن تعرض على المجلس المركزي لتكسب ثقته وثقة برنامجها السياسي ، على أساس أن لا مجلس تشريعياً الآن بعد حله، فمن له الصفة الشرعية والتشريعية هو المجلس المركزي رغم المطالبة بمجلس أكثر تمثيلا.

الحكومة الحالية هي حكومة سياسية وبرنامجها السياسي يعكس أولويات المرحلة الحالية ، وقد تطول أو تقصر، لذلك ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية أولوياتها ومحاور إهتمامها، والقضايا الملحة ، وما ينبغي التركيز عليه الصفة الشرعية للحكومة منذ البداية ، مما يعني النأي عن صفة انها حكومة «فتح». سواء في رئيسها أو مكوناتها . وهذا لا يعني أن «فتح » ليس لها دور محوري فيها، ومراعاة عدم تكرار ذاتها ، وأيضا درجة المشاركة السياسية الواسعة للقوى المعبرة عن الشعب الفلسطيني.

الحكومة الجديدة ليست مجرد حكومة جديدة، أو مجرد تغيير حكومي دوري ، وفي يقيني هي حكومة إستثنائية في لحظة زمنية إستثنائية.

ويفترض أن تكون حكومة تحديات، وحكومة تصحيح لمسار سياسي ، وحكومة معالجة العديد من القضايا، حكومة تعيد الإعتبار للشارع السياسي الفلسطيني ، حكومة تقول لا وبأعلى صوتها عندما يتم المساس بمصالح المواطن ، وتقول لا لإسرائيل بأعلى صوتها لكل إجراءاتها التهويدية والإستيطانية، ، وترسل رسالة قوية أنها حكومة الكل الفلسطيني.

رسائل هذه الحكومة وأولوياتها وقضاياها كثيرة ليس فقط السياسية والمساهمة في بلورة الحلول والرؤى لإصلاح البنية السياسية ، وقضية الانتخابات وتجديد الشرعيات السياسية، إلى جانب القضايا الإقتصادية وكل ما يتعلق بتنمية وترشيد الموارد، وإعادة صياغة العلاقات الإقتصادية مع إسرائيل وفتح أسواق إقتصادية خارجية، والقضايا المجتمعية وآخرها قانون الضمان الإجتماعي وقضايا البطالة والفقر. ولعل من أهم الملفات ما يتعلق بتفعيل العلاقة بين المواطن والسلطة، وخلق وسائل للتواصل الإجتماعي، وقضايا تتعلق بأداء الحكومة ذاتها وتحسين الخدمات الحكومية، وتطبيق مخرجات الثورة الصناعية، أو خلق هياكل الحكومة الذكية.

حكومة تساهم بآدائها بإنهاء الإحتلال وتجديد الشرعية السياسة وإستعادة اللحمة الوطنيه، حكومة تتخطى الخطوط التقليدية للسياسيين والوزراء التقليديين.

نريد أن نرى وجوها جديدة لا وجوها شاخت أو وجوهاً مستسمرة، أو وجوهاً مستوزرة، حكومة تمثل كل الشعب وليس الفصائل، فليس كل فصيل فصيل.

نريد حكومة دولة وتؤسس لمؤسساتها، ولهذه الأسباب والمعطيات المطلوب حكومة إستثنائية لظرف إستثنائي، قادرة على التكيف مع كل الإحتمالات السياسية وقادرة على ملء الفراغ السياسي.

drnagishurrab@gmail.com