أليست غزة محتلة؟!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية - غزة

مقولة أن غزة ليست محتلة فيها مبالغة سياسية بعيدة عن الواقع ، وعن مفهوم الإحتلال، ومفهوم تكامل الإقليم الفلسطيني. فالتكامل الإقليمي يجعل من غزة جزءا لا يتجزأ من الإقليم الفلسطيني والذي تحدد بمفهوم الدولة الفلسطينية، وحدود ما قبل الرابع من حزيران 1967أي أن الضفة وغزة تكوّنان حدود الإقليم الجغرافي والسياسي للدولة الفلسطينية، وإحتلال أي جزء من هذا الاقليم يعتبر إحتلالا كاملاً لكل الإقليم، لأن فيه إنتقاص للسيادة.

ومن ناحية أخرى إنهاء الاحتلال لا يكون فقط بإنسحاب القوات المحتلة من غزة، فالإحتلال له صور كثيرة: التحكم في المعابر، التحكم في الموارد المادية والطبيعية، التحكم في حركة البشر والإنتقال من مكان لآخر, والحصار المفروض على غزة، والتحكم في المياه الاقليمية وتحديد مناطق الصيد، والتحكم في الفضاء الجوي، وكل هذه المظاهر تؤكد أن غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وحتى معبر رفح وما يبدو من ظاهرية التحكم فيه من الجانب الفلسطيني فالحقيقة ان إسرائيل تتحكم في إستمرار فتحه وغلقه، فهذا الفتح يتم عبر تفاهمات سياسية إما مباشرة أو بواسطة طرف ثالث.

ولا مجال للحديث عن السيادة في الجانب المصري ، فذلك يخضع لسيادة مصر بكاملة ، لكن الحديث يقتصر على الجانب الفلسطيني ، فلا أعتقد أن التحركات البشرية، وتحركات بعض القيادات السياسية تتم بعيداً عن هذه التفاهمات.

هذا التوصيف لحالة غزة مهم ويتوقف عليه مسار العملية السياسية الفلسطينية من مصالحه وإنقسام وسعى لقيام الدولة الفلسطينية ، وأشير هنا إلى خطورة إعتبار غزة ليست محتلة، وإعلان ذلك من الجانب الفلسطيني. ففيه إعفاء لكل مسؤوليات إسرائيل عن غزه، وربط مستقبل ومصير غزه بالمتطلبات الأمنيه لإسرائيل حتى خيار المقاومة يصبح مرهونا بهذه المتطلبات.

والخطورة هنا أن تتحول لوظيفة أمنية، لا تختلف كثيراً عن التنسيق الأمني في الضفة الغربية.

ماذا يعني الإعلان عن إنهاء الاحتلال؟ وما هي التداعيات والنتائج المتوقعة؟

إنهاء الاحتلال يكون بالإعلان الرسمي من قبل الدولة المحتلة، وبإتفاق مكتوب مع السلطة المحتلة أي التي تحت الإحتلال، وبعدها يمكن أن يتم تنظيم العلاقة كأي علاقة مع دولة أخرى. في حالة غزه هذا لم يحدث إسرائيل أعلنت إنسحابا أحاديا من غزة، ولم توقع إتفاقاً مع السلطة الحاكمة وقتها لغزة وهي السلطة الفلسطينية الشرعية.

ومن ناحية أخرى لا يمكن للسلطة أن توقع على إتفاق بإنهاء الاحتلال من غزة دون بقيةالاراضي الفلسطينية، فكما الأرض لا تتجزأ فإن الاحتلال لا يتجزأ. والحديث عن أن غزة غير محتلة يتناقض تماما مع الوضع السياسي القائم ـ ويتناسب مع حالة الانقسام السياسي ، وسيطرة وحكم غزة من قبل "حماس"، وفي حال الإعلان عن أن غزة ليست محتله فهذا تكريس لحالة من الانفصال السياسي التام مع السلطة، وما يؤكد ذلك أن هذا الاعلان يستوجب أولا قبولا ممن يحكم غزة، وثانياً التوقيع على إتفاق تهدئه بل هدنة دائمة ، وبعدها يمكن توقع تنظيم العلاقات بين إسرائيل وبين غزة كإقليم منفصل.

وثالثا مع من يتم التوقيع على هدنة أو إتفاق تهدئه؟ في حال مع السلطة وهذا مستبعد تماما، فالتوقيع وحتى ولو بواسطة طرف ثالث سيكون مع حماس، وهو شكل من أشكال الإعتراف الضمني بين الطرفين.

ومن التداعيات الخطيرة لمثل هذا إحتمال وقف كافة اعمال المقاومة مع إسرائيل، وبداية علاقة تحكمها الوسائل السلمية. والنتيجة الأخرى تنعدم أي مسؤولية لحركة "حماس" في الضفة الغربية.

وأضيف ان هذاالاعلان يعني نهاية للقضية الفلسطينية ، وأن تبحث الضفة الغربية عن خياراتها وكيفية تعاملها مع إسرائيل، وهو تفكيك للقضية الفلسطينية بآليات فلسطينية.

هذه التصورات لإعتبار غزة منطقة أو إقليماً جغرافياً غير محتل. تأكيد على ان غزة بات ينظر لها على أنها كينونة سيىاسية مستقلة، قد تتحول لدولة ليس لها علاقة بفلسطين.

وأخيراً علينا أن نفرق بين المطالبة برفع الحصار وإنهاء الاحتلال.

drnagishurrab@gmail.com