ثرثرة قانونية في قرار وقف تنفيذ قانون الضمان الإجتماعي!!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

قرر الرئيس محمود عباس يوم 28/1/2019 في خطوة نالت استحسان الكثيرين، وقف تنفيذ قانون الضمان الإجتماعي الفلسطيني رقم 19 لسنة 2016، ودعا إلى استمرار الحوار بين جميع الجهات ذات العلاقة بالخصوص من أجل الوصول إلى توافق وطني على أحكام القانون وموعد نفاذه.

وكان قانون الضمان الإجتماعي الفلسطيني الذي نشر في الجريدة الرسمية الفلسطينية ( الوقائع ) في 20/10/2016 بعد تنسيب مجلس الوزراء الفلسطيني له في 27/9/2016، قد أثار جدلا واسعا بين أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف توجهاتهم، وقد تطور ذلك إلى احتجاجات ومظاهرات وتعليقات لا أول لها ولا آخر في وسائل الإعلام المختلفة من مقروءة ومسموعة ومرئية، بل ووسائل التواصل الإجتماعي على اختلاف مسمياتها.

الغريب أن هذا القانون قد صدر كقرار بقانون من رئيس السلطة الوطنية وفق المادة 43 من القانون الأساس لعام 2003. وقد شكّلت المادة 43 الأساس القانوني الأول لقانون الضمان، وسند شرعيته من ناحية قانونية في ظل انسداد الآفاق التشريعية، نتيجة لانتهاء الولاية الزمنية للمجلس التشريعي. ولعل تلك الطريقة فتحت الباب واسعا على مصراعيه لمنتقدي اللجوء لهذه المادة للتوسع في إصدار التشريعات التي لا تستند إلى حالة الضرورة التي لا تقبل التأخيرفي ظل غياب المجلس التشريعي، واجتماع السلطتين في يد واحدة بدل افتراقها في ظل مبدأ الفصل بين السلطات. وكان الله في عون المجلس التشريعي القادم الذي سيجيز أو سيرفض كل تلك القائمة الطويلة المتضخمة من قوانين الضرورة التي أقرت بموجب المادة 43 من القانون الأساس. علما بأن قانون الضمان ليس القانون الأول للضمان الإجتماعي في المنطقة وليس نهجا لم يقل به الأوائل أو الأواخر من القانونيين بل سبقنا إليه الكثير من دول العالم. لكن الغريب أن يثير هذه الضجة الضخمة التي لا مثيل لها والحراك غيرالمسبوق بين فئات الشعب الفلسطيني.

من الغريب وغير المعقول -لاحظ تدرج التأريخ - أن يقر مجلس الوزراء قانون الضمان، في السادس من شهر شباط من عام 2016، وأن ينسبه في 20/10/ 2016 ، وأن ينشره في الوقائع في 20/10/ 2016، وأن يبدا تنفيذه في بداية 2019، بينما كان يجب تنفيذه في 20/11/2016 عملا بالمادة 124 منه التي توجب العمل به بعد مرور ثلاثين يوما من نشره في الجريدة الرسمية..فكيف تمضي مثل هذه المدة الطويلة زمنيا بدون تنفيذ وبدون تنسيق، وما الفرق بين التنسيب والإقرار للقانون. رب قائل أن الحكومة لم تكن جاهزة لتنفيذه أو أنها أرجأت التنفيذ، فلماذا نشرته الحكومة من اساسه؟ وإذا كانت الحكومة واعية أن هذا القانون سيثير الكثير من الأسئلة، فكان عليها التريث في إصداره وأن لا تستعجل في ذلك الأمر. أما أن يستغرق تشريع هذه المدة الزمنية الطويلة بهذه الصورة فأمر جد غريب في التاريخ القانوني، ويشير إلى تخبط في العملية التشريعية والتنفيذية، بل عدم إدراك لأهمية وخطورة القانون ودوره في المجتمع.

السؤال الثاني الذي يتعلق به وقف تنفيذ قانون الضمان، هو هل يدخل هذا الوقف ضمن صلاحيات الرئيس كما نظمها القانون الأساس لعام 2003. ذلك أن من المعروف بداهة أن رئيس السلطة التنفيذية وحده يملك صلاحية إصدار القوانين. ولا يشاركه في هذه الصلاحية أحد، ولكن السؤال هنا مختلف: هل يملك الرئيس صلاحية وقف تنفيذ القانون بعد إصداره. المعنى القريب أنه يملك عملا بمن يملك الأكثر يملك الأقل، لكن مراجعة نصوص القانون الأساس تؤكد خلوه من أي نص يعطي رئيس السلطة صلاحية وقف تنفيذ القوانين بعد إصدارها. صحيح أنه يعطي الرئيس حق الإعتراض على مشروعات القوانين وإرجاعها إلى المجلس التشريعي للنظر فيها من جديد، لكن ذلك قبل إصدارها . ومن ثم يجب إقرارها من قبل السلطة التشريعية، بأغلبية الثلثين وليس بالأغلبية البسيطة.

وعليه لا يمكن أن تضاف صلاحيات للرئيس لم يقررها القانون الأساس، ولا أن نحذف صلاحيات قررها القانون الأساس، وإلا لغدونا في إطار آخر وقطاع آخر غير القانون الأساس. بكلام آخر، تذكر كتب فقه القانون أنه يجوز وقف تنفيذ العقوبة عبر قرار المحكمة، ويجوز وقف تنفيذ القرار الإداري، لكن لم تذكر الكتب الفقهية أن من صلاحيات الرئيس وقف تنفيذ القانون. فمتى اصدر الرئيس القانون يكون قد خرج من صلاحياته وما عليه سوى إصدار التعليمات لعماله بتنفيذ أحكام هذا القانون المصدر.وإلا لا يكون للإصدار القانوني أي معنى أو منطق أو تبرير. فهل يعقل أن يصدر الرئيس قانونا ثم يأتي في اليوم التالي فيقرر وقفه. هذا لم يحدث في التاريخ القانوني العالمي، ولكنه غدا أمرا مألوفا عندنا في مخالفة صريحة لقواعد ومبادىء سن القانون التي تعارف عليها العالم المتحضر.

وقد يقول البعض أن الأصل في الأمور الإباحة، كما هو الحال في القانون المدني، بمعنى أنه مادام القانون الأساس لم يحظر على الرئيس هذا الإختصاص، فيجوز له القيام به لأنه يقوم به للصالح العام. هذا الأمر لا يبدو متناسقا مع قواعد القانون الدستوري التي تشترط وجوب نص دستوري لتقرير الصلاحية، وإلا لقام المجلس التشريعي بصلاحية الرئيس والعكس صحيح . كما ستقوم المحاكم بغصب صلاحيات بعضها البعض، مما سيخل إخلالا جسيما بمبدأ الفصل ما بين السلطات.

أمر آخر ورد في مقدمة قرار الرئيس القاضي بوقف تنفيذ قانون الضمان بأنه استند إلى ألنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا أمر مستجد. بمعنى أن كلمات " نظام منظمة التحرير " لم تظهر حينما وافق مجلس الوزراء على هذا القانون، ولم تظهر أيضا حينما أصدر الرئيس قانون الضمان بقرار بقانون وفق المادة 43. على الأقل هذا أمر شكلي غير صحيح، فتوازي الأشكال قاعدة قانونية متبعة لسلامة العمل القانوني. ويترتب عليه سؤال آخر هل هذا نهج سيتبع في المستقبل في ظل قيام دولة فلسطين أم كان مجرد زلة قلم؟!

ثمة مشكلة أخرى شابت قرار الرئيس من ناحية قانونية شكلية، ذلك أنه دعا في المادة الثانية من قراره الذي صدر بشكل قانون " إلى استمرار الحوار بين جميع الجهات ذات العلاقة بالخصوص من أجل الحصول على توافق وطني على أحكام القانون وموعد نفاذه ". مثل هذا الأمر أو العبارات التجميلية الناصحة المرشدة، لا ترد في صلب القانون، ولا هي بكلام قانوني، لأن بها ثغرات قانونية كثيرة، وليس بها صياغة قانونية متميزة، وإن وجب ورودها فترد في بيانات سياسية أو تعليق سياسي. ويجب عدم الخلط بين الأمرين، لأن هذا الأمر يؤدي إلى تشويه القانون وحرفه عن مصادره وشكله الصحيح وتداخلات مشوهة لجوهره وكنهه الحقيقين. وبالتالي قرار وقف التنفيذ لقانون الضمان، غير موجود في القانون الأساس كمكنة من صلاحيات الرئيس.

التشريع مصدر من أهم مصادر القانون في كل دول العالم قاطبة بل أهمها على الإطلاق. ولم تنج دولة على هذا الكون من هذا الأمر المفيد البسيط الواضح السريع التي رسمته الدساتيربقواعد موضوعية غير شخصية، حيث استخدمته الدول أبشع استغلال خدمة لمصالحها ولمصالح شعوبها ضمن مبدأ الفصل بين السلطات، وليس المزج بينها، لأن وقتها ستكون "الحكمة" من يدفع يأمر، ومن ينقد الزمار يفرض عليه اللحن!!!