بين حافظ أبو عباية "ذاكرة الحركة الأسيرة" وحسن أبو صوي "الصحفي المعلم"

بقلم: د. حسن عبدالله

كالعادة يباغتك الموت باقتلاع أناس ربطتك بهم في مرحلة ما من عمرك علاقة خاصة، حتى لو كانت محددودة وتقتصر على بضع سنوات، فالأثر لا يقاس بالمدى الزمني للمعايشة، وإنما بعمقه وقدرته على أن يسكن ذاكرتك لا يبرحها، كيف لا وحياة الإنسان مجموعة من المحطات، كل محطة تؤسس للتي بعدها، حيث لا يمكن الفصل أو القطع، لا سيما وأن مكوّنات الشخصية الإنسانية هي سلسلة المواقف والحيثيات والرؤى التي تشكل في المحصلة النهائية الإنسان الكلي بتداخلها وتفاعلها وتلاقحها، الإنسان بمضمونه الذي يعكس بالتأكيد الشكل الخارجي ، في جدلية العلاقة بين الشكل والمضمون.

في محطتين متتاليتين من العمر، تعرفت إلى إنسانين في مرحلتين مختلفتين، لكنهما متقاربتان زمنيا، الأول في الاعتقال في العام 1981، عندما كنت طالبا جامعيا، والثاني منتصف العام 1983، أي بداية التحاقي بالعمل الصحفي في صحيفة محلية كانت تصدر في القدس.

وأقصد بالأول حافظ أبو عباية الذي رحل قبل أسبوعين، وكان أمضى ثمانية عشر عاما في الاعتقال، وقد تميز بذاكرته اليقظة القادرة على تخزين التفاصيل الصغيرة، لدرجة أنه كان يحفظ الأسماء الرباعية لخمسمائة من زملائه في المعتقل، إضافة إلى إمكانياته الثقافية والفكرية وسعة اطلاعه ومهاراته في فن القص والسرد وتأثيره في أوساط أصدقائه. وبعد تحرره من الاعتقال ظل وفيا للتجربة لينجز في السنوات الخمس الأخيرة بالشراكة مع صديقه محمد البيروتي كتاب (نصب تذكاري-الجزء الأول والجزء الثاني).

أما الجزء الثاني فقد صدر قبل أربعة أشهر، وأرخ فيه لعدد من اخوته ورفاقه الأسرى المحررين كما فعل في الجزء الأول، ليقيم أبو عباية والبيروتي نصبهما التذكاري على صفحات كتابين، لأنه ليس بمقدورهما إقامة نصب تذكاري لكل واحد من الراحلين في مركز مدينته أو قريته، علما أن النصب الذي تقيمه الكلمات لا يقل أهمية وتأثيرا وتخليدا عن النصب الذي يشيده فنانون مهرة.

توقف نبض قلب "أبو عباية" دون أن يستكمل الجزء الثالث من النصب التذكاري، حيث استشعر أنه لم يعد في العمر بقية، نتيجة المرض الذي أجبره على المكوث بضعة أيام كل شهر في المشفى لأخذ وحدات من الدم، وقد عبر لأصدقائه بأسى أن حلمه في التأريخ للراحلين من الأسرى المحررين سيتوقف عند هذا الحد، بيد أن ابا عباية يستحق كتجربة غنية وحافلة أن نخصص له عملا تأريخيا توثيقيا متكاملا، وأن نقيم له نصبا تذكاريا على صفحات كتاب يحمل اسمه وعلى صفحات ضمائر من عرفوه وعايشوه عن قرب.

أما الراحل الثاني فهو حسن أبو صوي الذي تزامن رحليه مع رحيل "أبو عباية"، ومن الطبيعي أن يترك هذا الرحيل حزنا في نفوس كل أصدقائه ومعارفه، وتحديداً الذين عملوا معه في الصحافة، خصوصاً أمضى من عمره مايقارب نصف قرن وهو يقدم بإخلاص لهذه المهنة منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي أي قبل الاحتلال، ثم بعد ذلك من خلال عمله في صحف "الشعب" و"الميثاق" و"القدس"، لينهي مشواره الصحفي في صحيفة القدس، ولم يقعده عن العمل سوى المرض والخضوع لعلاج طويل.

حينما التحقت بالعمل الصحفي، كان "أبو صوي" هو مدير تحرير الصحيفة، واستشف من أسلوبي الكتابي أنني مشروع صحفي وأديب، لاستفيد من ملاحظاته وتوجيهاته، وكان دعمه المعنوي لي محفزا على الاستمرار وتطوير أدواتي الأدبية والصحفية.

عملت مع هذا الصحفي المجرب ثلاث سنوات شكلت بداياتي، وتدرجت من مراسل إلى محرر ثم إلى محرر للصفحة الأدبية، وفي هذه السنوات وبعد ذلك وصولاً إلى نهاية عمله لم أر اسمه مكتوباً على خبر أو مقال أو تحقيق، حتى زاويته "كاسك يا وطن" كانت تنشر دون اسم للكاتب، كان ذلك قبل أن ينضم للصحيفة ذاتها الصحفي "محمد أبو لبدة" ويصبح رئيساً لتحريرها في منتصف الثمانينيات، وهو الآخر من تلك المدرسة التي لا يهتم روادها بإبراز أسمائهم الشخصية، بقدر ما يهتمون بأن تصدر الصحيفة بشكل فني لائق وبمضمون مقنع.

حسن أبو صوي يغادر عالمنا بهدوئه المعهود، وبلا مراسيم نفخ وتبجيل أو كليشيهات تعظيم، فقد عاش متزناً متواضعاً، ورحل بعيداً عن الضجيج، لنكتب نحن الأحياء ونؤكد أنه كان مثالاً لتواضع الكبار.