لماذا يدعون لإغتيال الرئيس أبو مازن

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

أستاذ علوم سياسية-غزة

الإغتيال إما أن يكون سياسيا أو جسديا. لكنه في النهاية هدفه واحد أي الإغتيال السياسي ، والمقصود بذلك إغتيال البرنامج السياسي أو المشروع السياسي للرئيس وما يمثله من خطورة على إسرائيل. وهذا المشروع يحول دون تنفيذ الأهداف السياسية العليا لها وأحد هذه الأهداف عدم قيام الدولة الفلسطينية وقلبها الضفة الغربي.. وعندما تصل إسرائيل إلى قناعة وهي قد وصلت ان المشروع السياسي للرئيس بات يشكل عقبة كبيرة فهنا يكون الإغتيال السياسي أو الجسدي..

وعلى مدار مسيرة النضال الفلسطيني الطويلة كان الإغتيال السياسي والجسدي أحد أهم أساليب إسرائيل في التخلص من القيادات المؤسسة لما لها من وزن وتاثير على إلهام شعبها، وحضورها القوي إقليمياً ودولياً, ولم تستثن إسرائيل أي قيادة أو أي فصيل ، فعلى مستوى حركة "فتح" قيادات كثيرة أمثال أبوإياد وأبو جهاد وأبو الهول وصولا للإغتيال التاريخي للرئيس عرفات، وإغتيال الشيخ أحمد ياسين وفتحي الشقاقى وغيرهم كثيرون يمتلىء بهم السجل والتاريخ للحركة الوطنية الفلسطينية.

وأتوقف قليلا عند إغتيال الرئيس عرفات، رغم أن الرئيس صاحب مقولة سلام الشجعان، وهوأول من مد يده للسلام وصافح إسحق رابين وشمعون بيريس في حديقة البيت الأبيض ، وليعلن على الملأ أن خيار الشعب الفلسطيني هو السلام، وقيام دولة فلسطينية تكون نموذجا للسلام والديموقراطية، وهو أول من إمتلك الشجاعة السياسية وقام بتعديل الميثاق الوطني ليعترف بإسرائيل دولة ، وواصل على مدار سنوات طويلة منذ وصوله لأرض فلسطين في غزة عام 1996 وحتى رحيله عام 2004 جهوده من أجل تحقيق السلام على أرض السلام، إلا أن إسرائيل او القوى اليمينية رفضت يد السلام الفلسطينية.

الرئيس عرفات تمسك بحقه وحق شعبه بالدولة الفلسطينية والقدس الشرقية عاصمة لها، ولم يدخر جهدا من أجل تثبيت هذا الحق. لم يتنازل عنه ومشروعه للسلام تجسده الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وإسرائيل لا تريد أن ترى الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية، يمكن أن تراها في غزة البقعة الصغيره والمحكومة جغرافيا بالعزل والإغلاق ، وتتحكم إسرائيل في كل منافذها، وعندما أدرك اليمين في إسرائيل أن رؤية الرئيس عرفات تقف صخرة لا يمكن تكسيرها في وجه المشروع الاستيطاني قررت إغتياله سياسيا وجسديا.

هذا النموذج يتكرر الآن مع الرئيس محمود عباس الذي واصل سلام الشجعان وبقيت يده ممدودة للسلام، وحارب من أجل ذلك وتحمل كل التحديات والمعارضه فلسطينيا وظل متمسكا بالدولة الفلسطينية والقدس الشرقية عاصمة لهذه الدولة، وأبدى الكثير من المرونة السياسية. ورغم الإنقسام السياسي الفلسطيني بكل مشاكله، ورغم التراجع العربي والدولي بقي مواصلا قضية خيار الشرعية الدولية متحدياً الإرادة الأميركية والإسرائيلية بالإستمرار في الإنضمام للمنظمات الدولية، ومحاولة رفع مستوى تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة للعضوية الكاملة، رغم معرفته المسبقة بالفيتو الأمريكي .

وهذه المعركة حققت مكاسب وإنجازات كثيرة. والرئيس أبو مازن ورغم متاعب العمر ينتقل من عاصمة لأخرى آخرها رئاسته للمجموعة ال77 والصين في نيويورك، ولم يقف الرئيس عباس في تحديه لمحاولات طمس القضية الفلسطينية والتخلص منها بما يسمى بصفقة القرن الأمريكية، ليقف وحيدا في الإعلان الصريح برفض هذه الصفقة، ولم يقف موقفه عند رفض الصفقة مسبقا لتؤجل تحت مبررات كثيرة ، إلا أنه أيضا رفض إستقبال أو الإجتماع بأي مسؤول أمريكي بل ذهب بعيداً برفض الدور الأمريكي في إحتكار العملية التفاوضية، والمطالبه بمرجعية دولية. وبقي متمسكا بالمشروع السياسي والمطلب الوطني ، ورفض أي لقاء مع نتانياهو بدون الاتفاق على مرجعية تفاوضية أساسها الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقيه.

تدرك إسرائيل ان الرئيس عباس لا يناور ولا يساوم ولن يقبل بأقل من الدولة الفلسطينية، وهذا يعني رفضا لكل المشاريع الإستيطانية، ورفض الدولة الفلسطينية المؤقتة في غزة، والإصرار على أن الدولة الفلسطينية واحدة موحد بغزة والضفة الغربية.

لقد بدأنا نسمع عن أصوات تحريضية داخل إسرائيل تهدد حياة الرئيس، وتكرر نفس السيناريو الذي تعاملت به مع الرئيس عرفات أنه لا شريك فلسطينياً للسلام ، وبدات حرب مالية تقودها الولايات المتحدة بتجميد كل المساعدات المالية للسلطة والأونروا لإغتيال الرئيس مالياً، ولم تقف السياسة التحريضية عند هذه الحدود ، بل الغرابة أن تتهم إسرائيل الرئيس عباس بأنه وراء حرب وحصار غزة. الصورة تتكرر، ولم يبق أمام إسرائيل إلا التفكير الجدي بكيفية إغتيال الرئيس عباس والتخلص منه ، الرئيس يدرك ويعلم ذلك ، ومع هذا يواصل مسيرته . إسرائيل بدأت فعلا تحركاتها لمرحلة ما بعد الرئيس على مسارين الأول تكريس الإنقسام وتحوله لإنفصال سياسي وقيام كينونة سياسية بديلا للدولة الفلسطينية في غزة ويبدو أن الظروف الداخلية والإقليمية والدولية مهيأة لهذا الخيار، والمسار الثاني محاولة تكرار نفسها بالبحث عن قيادة بديلة، وهو مسار عبثي جربته قبل ذلك. إسرائيل تريد التخلص من الرئيس عباس، وتبحث عن الوسيلة والوقت المناسب. هذا في الوقت الذي يعلن فيه المجلس التشريعي المنحل دستوريا في غزة والذي تسيطر عليه حماس نزع شرعية الرئيس. تدرك إسرائيل ان الرئيس ما تبقى من الشرعية التاريخية المؤسسة، وتعمل كيف تكون مرحلة ما بعده نهاية للدولة الفلسطينية والقضية الفلسطينية.. هل بمرحلة نظرية الفوضى البناءه أو نظرية الفوضى.

واحذر من الأخيرة فهي تضمن إستقراراً وهدوءاً في غزة، وتعرف أن مرحلة ما بعد الرئيس فب الضفة قد تتبعها فوضى عارمة يمكن من خلالها أن تحقق ما تريد ، وبذلك تغتال المشروع السياسي الفلسطيني الذي يحمله الرئيس عباس وهي مرحلة نهاية القضية الفلسطينية.

drnagishurrab@gmail.com