على أعتاب "عام عربي جديد".. لا يأس مع الحياة

بقلم: طلال سلمان*

خلال قرن واحد، دار الفلك بالعرب، لا سيما في مشرق وطنهم، فإذا هم اليوم في أوضاع أكثر بؤساً مما كانوا عليه في مثل هذه الأيام من العام 1919.

كانت الحرب العالمية الاولى قد انتهت بسقوط السلطنة العثمانية، وتقدم "الغرب"ممثلاً ببريطانيا (العظمى) وفرنسا، وزهو الانتصار على المانيا وتركيا، "لوراثة" هذه المنطقة المتروكة للريح، بعدما ابتلعت بريطانيا وعودها للشريف حسين بن علي، أمير مكة، بتمكينه من توحيد المشرق (الجزيرة العربية ومعها العراق وسوريا وفلسطين) في مملكة هاشمية مستقلة.. صافية العروبة!

لم يكن ذلك "الوعد" الا خدعة لاستمالة العرب إلى صف "الحلفاء" "ضد المحور".. ومع انتهاء الحرب تقاسمت بريطانيا وفرنسا أقطار المشرق العربي: ابتدعت امارة للأمير عبدالله ابن الشريف حسين (الاردن)، وذلك باقتطاع بعض سوريا لهذا "العرش"، ومهدت "ميدانيا" لإقامة الكيان الاسرائيلي بقيادة الحركة الصهيونية على ارض فلسطين، تنفيذاً "لوعد" آخر كان قد اعطاه وزير خارجية بريطانيا اللورد بلفور للحركة الصهيونية بقيادة هرتزل لاقامة "كيان" ليهود العالم على ارض فلسطين العربية باسم: اسرائيل!

صار المشرق العربي ارخبيلاً من "الدول" ومشاريع "الدول": في السعودية انتصرت الحركة الوهابية، برعاية بريطانيا ثم أميركية، على خصومها من أمراء وشيوخ نجد والحجاز، فأقامت المملكة العربية السعودية.. استبعدت عنها الكويت لتكون "مشيخة" فإمارة ثم "دولة" في اوائل الستينات.

كان طبيعياً أن يتعاظم الرفض للمشروع الاستعماري الجديد، وان تباشر النخب السياسية انشاء المنظمات والاحزاب، سراً في البداية، ثم علناً، تمهيداً للحفاظ على الأمل بإعادة توحيد ما جُزئ من الاقطار العربية.


ثار الشعب السوري بداية، رفضاً لتقسيم سوريا، وقد بلغت ثورته ذروتها في شتاء العام 1925.. وأسقطت انتفاضة مشروع تقسيم سوريا إلى أربع دول.

***

وحاولت بريطانيا "استيعاب" ثورة العشرين في العراق وحرفها عن مسارها الطبيعي، فاستدعت فيصل الاول، ابن الشريف حسين، ليكون ملكاً على العراق، بعد أن اسقطه الفرنسيون عن عرش مفترض في سوريا.

أما فرنسا فقد ضمت بعض المناطق إلى "متصرفية جبل لبنان" لتنشئ الكيان السياسي الذي نعرفه اليوم باسم "الجمهورية اللبنانية".. وعلى اساس طائفي، طبعاً!

كانت ركيزة هذه الانظمة طائفية او عشائرية بحيث تزرع فيها ومعها بذور الفتنة: ثار شيعة العراق ضد الاحتلال البريطاني عام (1925) فحاول مخادعتهم بملك هاشمي (سني المذهب..)، وأسقط السوريون تقسيم بلادهم إلى اربع دويلات على اساس طائفي، في حين ارتضى الامير عبدالله ابن الشريف حسين أن يتولى "عرشاً صغيراً" في الاردن، ودخله معززاً ببعض قبائل البدو و"جيش" من الشركس والتركمان وأقليات أخرى غير عربية بقيادة جنرال بريطاني منح رتبة الباشا: غلوب باشا.

***

في الثلاثينات، أكدت عمليات التنقيب عن النفط وجوده بغزارة في المملكة العربية السعودية.. وهكذا وضع الاميركان أيديهم على المملكة الناشئة التي ورثت الارض المقدسة .. في حين كان البريطانيون قد وضعوا ايديهم على نفط العراق، بالشراكة مع الفرنسيين (ولو بحصة محدودة، مع 5 في المائة لمهندس الصفقة الارمني)..

بعد ذلك توالت الاكتشافات النفطية: في الكويت- في الخمسينات- ثم في "مشيخة ابو ظبي" التي رعى البريطانيون ثم الاميركيون تحولها إلى "دولة" بعد ضم ست من المشيخات المجاورة، لتقوم "دولة الامارات العربية المتحدة" تحت قيادة الشيخ شخبوط، قبل أن يُخلع ليعهد بالعرش إلى شقيقه الشيخ زايد بن سلطان.

بالمقابل، تم كشف كنوز من الغاز في طرف الخليج العربي، أمام قطر، فابتكرت صيغة فريدة لاستثماره، اذ أن "بحره" يقع على "الحدود" بين هذه الامارة الصغيرة والجمهورية الاسلامية في ايران.. وهكذا صار الطرفان "شريكيين".

ومن بعد، استطاعت سوريا اكتشاف بعض النفط وأكثر من الغاز، في البادية، قرب الحدود مع العراق.. قبل أن تستولي "قوات داعش" على بعض الآبار، او تعطلها، بعدما اقتربت قوات النظام من تحريرها، لتفاجأ بقوات اميركية "تهبط" فيها، بغير اذن، طبعاً، مما استفز تركيا التي سرعان ما طمأنتها واشنطن إلى أن هذه القوات ستنسحب " في الوقت المناسب"!.

***

المنطقة الآن، من ساحل عُمان، إلى ساحل البحر الابيض المتوسط، مساحة نفوذ اميركي-اسرائيلي مشترك، لا سيما بعدما "تحررت" بعض الأقطار العربية، خاصة في الجزيرة والخليج، من موجبات التضامن العربي وحماية حقوق الشعب الفلسطيني في ارضه، وباشرت انشاء علاقات علنية وسرية مع الكيان الاسرائيلي... بل أن رئيس الحكومة الاسرائيلية ،بنيامين نتنياهو، يتباهى الآن، بان لديه من الدعوات لزيارة دول عربية أخرى، بعد سلطنة عُمان، وأحاديث متناثرة عن زيارات سرية لموفدين عرب، قيل إن بينهم سعوديين، إلى جانب زيارات علنية قامت بها وفود "شعبية" من البحرين، ومن تونس، فضلاً عن المغرب الذي لديه جالية كبيرة من يهوده، فيها.

يفرض التساؤل نفسه هنا: وأين قضية فلسطين، في هذه الدوامة من "التطورات المباغتة"؟

وفي فلسطين يتعمق الانشقاق بين السلطة في رام الله و"حماس" التي أقامت مع بعض الفضائل، "سلطة موازية" في قطاع غزة... وأمكن للقاهرة أن تخفف التوتر بين "السلطة" و"حماس"، بعد تدخل سريع.

***

يفرض التوقيت الحديث عن بعض التطورات والاشكالات المرافقة لمحاولة عقد القمة الاقتصادية العربية في بيروت، ومن بعد القمة العربية الدورية التي سوف تعقد هذا العام بعد اسابيع قليلة في تونس.

فلقد رفض لبنان الرسمي حضور ليبيا في القمتين، بعد إثارة القضية المعلقة المتصلة بإخفاء او اختفاء الامام موسى الصدر، الزعيم الشيعي اللبناني الكبير، خلال زيارة له إلى ليبيا في اواخر آب من العام 1968.

كذلك فثمة مشكلة تتصل بدعوة سوريا إلى قمة بيروت الاقتصادية، ثم إلى القمة العربية الدورية التي ستنعقد في تونس في اواخر شهر آذار المقبل: ذلك أن سوريا ما تزال "مطرودة" من الجامعة العربية، منذ سنوات، ولا بد من قرار جديد، من هذه الجامعة، يقضي بعودتها إلى مقعدها الفارغ فيها..

***

في هذا الوقت بالذات، يتزايد التحرش الاسرائيلي (عسكريا) بلبنان.. وتعمل جرافات العدو الاسرائيلي عند خط وقف إطلاق النار، بذريعة البحث عن أنفاق تدعي تل أبيب أن "حزب الله" قد حفرها تمهيداً لعملية حربية ضدها.

إن سلسلة من مشاريع الفتن الطائفية تنذر بالتفجر في أكثر من قطر عربي:

اذا ما تجاوزنا السعودية، حيث تتصاعد أصوات "الشيعة" في جنوبها مطالبين بالإنصاف والاعتراف بهم كمواطنين كاملي الحقوق في بلادهم، سوف نصطدم بتعذّر اعادة صياغة الحكم في عراق ما بعد صدام حسين، حيث يشكو "أهل السنة" من "احتكار الشيعة" للسلطة في معظم مواقع القرار .. ومع المساعي لإعادة صياغة حكم ما بعد صدام حسين تصادمت المصالح داخل كل طائفة وخارجها فتعذر تشكيل حكومة جديدة، حتى الساعة..

أما في سوريا ما بعد الحرب فيها وعليها والتي تنهشها منذ ثماني سنوات، فان الأحاديث تتواتر عن إعادة صياغة للنظام فيها، تلعب فيها روسيا دوراً، بينما تحاول تركيا التأثير فيها.

وأما لبنان فبلا حكومة منذ ثمانية أشهر، وليس ثمة ما يؤشر إلى قرب توفر حل لهذه الازمة في بلاد الديمقراطية بالطائفية.

***

قد تكون الصورة معتمة، لكننا تعلمنا أن " لا يأس مع الحياة"..

وكل عام وأنتم بخير. خصوصاً وأننا في اجواء الذكرى المئوية لميلاد جمال عبد الناصر.

* رئيس تحرير صحيفة "السفير" اللبنانية

ينشر بالتزامن مع جريدة "الشروق" المصرية