صفقة القرن في طي النسيان

بقلم: فهد الخيطان

كان تقدير الأردن في محله؛ صفقة القرن الموعودة ليست وشيكة، وقد لا ترى النور أبدا.


على مدار الأشهر الطويلة الماضية ضربت الإدارة الأميركية مواعيد كثيرة لإعلان الصفقة لكنها عادت وتراجعت عنها. وقبيل الموعد الأخير غير المؤكد أصلا، تبدلت الأولويات تماما مع حل الكنيست الإسرائيلي والإعلان عن انتخابات مبكرة بداية الربيع المقبل بانتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات ومصير تحالف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.


الدبلوماسية الأميركية ممثلة بوزارة الخارجية لا تبدي أي اهتمام بملف عملية السلام في الشرق الأوسط. وزير الخارجية مايك بومبيو لم يتطرق لهذا الموضوع نهائيا خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في عمان قبل أيام، في وقت حرص فيه الصفدي على التذكير بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية الشرق الأوسط الأولى.


أولويات بومبيو في السياسة الخارجية، حسب مراقبين، هو الملف الكوري الشمالي، ومن بعده إيران لاعتبارات أميركية خالصة.


صفقة القرن من البداية كانت شأنا خاصا بالبيت الأبيض تولاه مستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنير وروج له في دول الشرق الأوسط، لكنه بالمعنى التقليدي للسياسة الأميركية لم يكن يوما ملفا من ملفات وزارة الخارجية.


لكن تجميد العمل على صفقة القرن لا يعني زوال التهديد لعملية السلام العادلة في الشرق الأوسط. ما يحدث على الأرض المحتلة أسوأ بكثير مما يتم تداوله من مضامين للخطة الأميركية، وما تحمله مرحلة ما بعد الانتخابات في إسرائيل ينبئ بمخاطر أكبر.


نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وفق تقديرات أولية ستحمل للسلطة في إسرائيل تحالفا أشد يمينية من تحالف نتنياهو الحالي. يمين اليمين المتطرف هو الملاذ الأخير لنتنياهو لتشكيل حكومة بعد الانتخابات، وإذا لم يكن نتنياهو فثمة من هو أسوأ منه.


الحكومة القادمة في إسرائيل ستسقط مبدأ المفاوضات من حساباتها، حتى لو كانت على مقاس صفقة القرن التي تمنح إسرائيل امتيازات كبرى على حساب الحق الفلسطيني. 
الجانبان الأردني والفلسطيني لا يتوقعان أي جديد من انتخابات إسرائيل سوى المزيد من التشدد والتعنت حيال عملية السلام.


على أقل تقدير ستنتظر واشنطن حتى فصل الصيف لحين تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة لترى إن كان هناك فرصة للتفكير بعرض خطة الحل أو صفقة القرن.

والمرجح أن نتائج الانتخابات وتشكيلة الحكومة الإسرائيلية ستفرضان على “مدبري” الصفقة فتح بنودها للنقاش من جديد وإعادة برمجتها بما يتناسب وتوجهات الائتلاف الحاكم في إسرائيل. والتوقعات في أغلبها تفيد بأن الطرف الإسرائيلي لن يكون معنيا في المستقبل بأي خطة للسلام مع الفلسطينيين ما دام بمقدوره تنفيذ خطته على الأرض في ظل ميزان قوى عربي ودولي مختل.


لكن اليمين المتعجرف في إسرائيل سيهرب من استحقاقات السلام ليواجه على المدى المتوسط أزمة بنيوية كبرى تتمثل في التحدي الديمغرافي للشعب الفلسطيني وصموده على أرضه رغم كل الضغوط.
إسرائيل تعمل منذ أن وجدت على تغيير الحقائق على الأرض لتمكين مشروعها، لكن بعد سبعين عاما على الاحتلال ما تزال هناك حقيقة واحدة ثابتة وهي وجود الفلسطينيين على أرضهم.

...عن "الغد" الأردنية