المطلوب خطة تحرك جدّي وتنفيذ القرارات المصيرية

بقلم: فيصل أبو خضره

منذ أكثر من عام قررت الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الاسرائيلي وبدء الاستعدادات لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى المدينة المقدسة، متجاهلة تماماً أن القدس المحتلة وفق القرارات الدولية عربية اسلامية، وضاربة عرض الحائط مشاعر مليارات من المسلمين والمسيحيين. وكان رد السلطة الفلسطينية، برئاسة الرئيس محمود عباس، بقطع العلاقات السياسية وغير السياسية مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب لانحيازها المطلق للاحتلال وتنكرها للحقوق المشروعة لشعبنا.

ولذر الرماد في العيون استند ترامب الموالي للصهيونية على خطة سخيفة سميت بصفقة القرن، والتي تبيّن بأنها صفقة تخص فقط مصلحة الجانب الاسرائيلي الصهيوني المتطرف، بدون أي إعتبار للقرارات الدولية حتى تلك التي وقعت عليها أميركا واسرائيل.

ثم مضت الادارة الاميركية بسلسلة من المواقف المعادية للشعب الفلسطيني بقطع المساعدات عن وكالة الاونروا وعن السلطة الفلسطينية ومستشفيات القدس، وأغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن وشككت بأعداد اللاجئين وما يؤكد استمرار الادارة الاميركية في محاولة إبتزاز للشعب الفلسطيني، صاحب الأرض الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، زيارة الصهيوني جون بولتون لحارات القدس القديمة وأنفاق حفرها الاحتلال تحت الأقصى، مما يدل على أن إدارة ترامب الصهيونية ما زالت تمعن بانتهاك جميع القوانين والقرارات الدولية التي وقعت عليها الإدارات الاميركية السابقة.

وبذلك بات واضحاً أنه لا يمكن الرهان بأي حال من الأحوال على ما يسمى «صفقة القرن»، ولهذا جاء الإجماع الفلسطيني والعربي والأوروبي والروسي والصيني بالتنديد بالمواقف الاميركية وبصفقة القرن.

وفي ظل هذا الوضع القائم وللأسف بعد مرور أحد عشر عاماً على الانقسام المأساوي لم يستطيع الفصيلان الأكبر على الساحة الفلسطينية إنهاء هذه المهزلة التي يرفضها الشعب الفلسطيني بجميع قواه وفصائله والمستقلين أيضاً، كما أن «حماس» تعرف جيداً الأضرار التي يسببها هذا الانفصال، ولكن مع الأسف ما زالت الخلافات بين بعض زعامات حماس وارتباط ذلك بتجاذبات إقليمية ودولية مما يقف سداً منيعاً أمام الأكثرية لمنع إنهاء هذا الانفصال.

كما أن حماس يجب أن تعلم جيداً بأن غزة ليست لحماس أو «فتح» أو أي من فصيل، فغزة هاشم هي للشعب الفلسطيني وجزء لا يتجزأ من هذا الشعب، وهي أكبر من أي فصيل وكفى مهازل ونحن تحت إحتلال يستهدف الكل الوطني.

وما من شك أن الشعب الفلسطيني سئم الإنتظار لمدة غير محددة، ليس فقط لإنهاء الانفصال، بل أيضاً لعدم وجود أي نهاية لوقف التدهور الخطير في الوضع الفلسطيني العام فلا يعقل أن نبقى تحت رحمة اميركا بقيادة ترامب وممارسات المحتل من تكريس سرقة الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس، بعد ان قبلت منظمة التحرير مجبرة بـ ٢٢٪ من فلسطين التاريخية لإقامة الدولة الفلسطينية عليها وعاصمتها القدس لوقف دوامة الحروب وسفك الدماء، وهو ما دعمه الموقف العربي في قمة بيروت بتحقيق سلام على أساس الإنسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما جاء منسجماً مع الشرعية الدولية وقراراتها.

ان الانتظار الى ما لا نهاية يعني الفشل بما في ذلك ترسيخ الانفصال وسد الطريق أمام حل الدولتين وإعطاء اسرائيل فرصة ذهبية لتنفيذ مخططاتها.

صحيح أن السلطة الفلسطينية قامت بواجبها واستطاعت أن تهزم أميركا واسرائيل سياسياً في الأمم المتحدة وحققت إنجازات دبلوماسية ولكن مع الأسف كل هذا لم يشكل إلا صفراً كبيراً بالنسبة لحل الدولتين، وهذا طبعاً غير مقبول بالنسبة للشعب الفلسطيني.

الشعب الفلسطيني لم يعد يصبر على تصرفات المحتل من قتل وهدم البيوت والاعتداء على مقدساتنا الاسلامية والمسيحية، هذا عدا عن إيغال المستعمرين الجدد بالاعتداء على المدنيين العزّل واقتلاع الأشجار المثمرة وحرق المزروعات بدون أي رادع أو اهتمام أممي سوى الاستنكار أو الجري وراء سراب مجلس الأمن.

لدى السلطة الوطنية عدة خيارات للخروج من هذا المأزق الذي أوقعتنا به أميركا، مستفيدة من الضعف العربي الذي مزق بعض الدول العربية وادخلها في حروب داخلية بين ابناء الشعب الواحد كما حصل في ما يسمى " الربيع العربي" ، وقبل ذلك احتلال العراق من قبل أميركا وغض الطرف عن التمدد الايراني فيها وعدوان ايران على عدة دول عربية مما جعل هذه الدول تسعى لوقف هذا التمدد الإيراني.

كما أن روسيا لم تخط خطوة واحدة جوهرية تجاه المصلحة الفلسطينية الاّ بالتأكيد على أنها ملتزمة بحل الدولتين ، أي أننا لا نسمع من روسيا أو من أوروبا سوى التأييد لحل الدولتين ولكن بدون أي فعل جدي لمعاقبة المحتل على

انتهاكاته وتصرفاته العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، ودون خطوات عملية لإلزام اسرائيل بالامتثال للقانون الدولي والقرارات الدولية.

كل يوم يقتل أطفال وشباب من جميع الأعمار في الأراضي المحتلة وتمعن اسرائيل في انتهاكاتها، بينما نقف منددين ومستنكرين فقط، وهو ما يدل على أننا كفصائل عموماً دون استثناء لا خطط لدينا الا الاستسلام للأمر الواقع الذي يدمر مشروعنا الوطني.

منذ خمسة وعشرين عاما وقعنا على اتفاقية سخية لاسرائيل وأميركا وللعالم في البيت الأبيض وبشهادة أميركية وروسية والنتيجة كما نراها اليوم كارثة على مشروعنا الوطني، يفعل التطرف الاسرائيلي والأطماع اليمينية أولاً، والخلل الذاتي لدينا ثانياً.

صحيح ان السلطة الفلسطينية قامت بواجباتها وأقامت بني تحتية ومستشفيات ومدارس وجامعات وأسست دوائر حكومية ومحاكم على أعلى مستوى، ولكن مع الأسف لم نستطيع انتزاع الحرية والاستقلال حتى الآن، بل بالعكس ابتعدنا كثيراً عن آمالنا الوطنية. لذلك لا بد للسلطة الفلسطينية ان تخطو خطوات أكثر جدية من التنديد والوعيد وتعمل على إنهاء هذا الظلم الأميركي الاسرائيلي، والعالمي وكفانا الاعتماد على أي جهة دولية.

لقد حان الوقت لزعمائنا في السلطة وحماس أن يجدوا الحل لوقف هذا العبث الاميركي الاسرائيلي في بلادنا فلسطين التي اغتصبت بقوة السلاح وليس بالحق او التاريخ او حتى الدين اليهودي.

يجب ان يعيش الفلسطينيون بكرامة مثل أي شعب وان يعود اللاجئون الى اراضيهم وبيوتهم، ووطنهم فلسطين وان تبقى القدس عربية اسلامية .

لقد سئم الشعب الفلسطيني الانتظار أكثر من هذا، كما أن آلاف الأسرى سئموا من هذه السجون القذرة، بعد ان ضحوا بحياتهم وشبابهم كي ننعم بالحرية والاستقلال، عدا عن معاناة شعبنا المتواصلة وايمانه بضرورة الوفاء لقوافل شهدائه الذين مضوا على طريق الحرية والاستقلال.

لذلك ليس لنا الا الاعتماد على أنفسنا والقيام بمقاومة شعبية سلمية عارمة في جميع أنحاء الوطن وعصيان مدني، لان الهبات التي نراها أسبوعياً لم تعط أي نتيجة واقعية لردع المحتل عن ممارساته العدوانية ، بل تزيد من مآسي شعبنا من قتل الأطفال والشباب والشابات من جميع الأعمار ، عدا عن الدمار والمعاناة التي يتسبب بها الاحتلال.

واذا كانت الفصائل عاجزة عن ايجاد الحلول فلتصارح شعبها، أما الخطابات الرنانة والتصريحات البراقة فلم تعد تنطلي على هذا الشعب المظلوم والصابر منذ أمد طويل.

فمنذ العام ١٩٤٨ م نحن نحارب بالكلام والخطابات الرنانة والمحتل يسرق الأرض. والذي يعتقد ان اسرائيل ستتنازل عن الضفة الغربية وحصار غزة ونحن على هذا الحال فهو واهم، واذا بقينا على هذا الحال من تشرذم فلسطيني وضعف عربي نكون قد سلمنا بالأمر الواقع، أي احتلال بدون أي رادع فلسطيني أو عربي أو عالمي.

لا بد للسلطة الفلسطينية أن تعمل جاهدة لقرع أبواب كل المحافل الدولية والعربية والإسلامية، وعقد لقاءات مع الديمقراطيين المؤيدين للحقوق الفلسطينية في مجلس النواب الأميركي للضغط على البيت الأبيض للتحرك الجدي لإنصاف الشعب الفلسطيني اعتماداً على القرارات الدولية التي صدرت من الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن، خصوصا حول القدس ولوضع حد لسرقة الأراضي

الفلسطينية وبناء المستعمرات غير الشرعية حسب القرار ٢٣٣٤ للعام ٢٠١٧م، كما يجب وضع أوروبا وروسيا وغيرهما أمام مسؤولياتهم الدولية والأخلاقية.

كل عام وفي شهر أيلول يشّد الرئيس الرحال الى الأمم المتحدة ويشرح الوضع المأساوي الذي يعانيه الشعب المظلوم والمغلوب على أمره، ونجد تأييداً عارماً من جميع دول العالم ولكن كما نرى فإن النتيجة العملية لا شيء، لأن المحتل يحتمي بأميركا، لذلك نعيد ونكرر القول بأنه ليس لنا إلاّ وحدتنا الوطنية والمضي جدياً في مقارعة المحتل وتنفيذ كافة القرارات المصيرية التي اتخذناها سواء في المجلس الوطني أو المجلس المركزي، أما الإنتظار الى ما لا نهاية فهو قمة الاستهتار بقضيتنا المقدسة، فهل من مجيب؟!