متوالية الأزمات السياسية الفلسطينية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

أستاذ علوم سياسية-غزة

يعيش الفلسطينيون في بيئة سياسية معقدة، تتوالد فيها الأزمات بشكل غير مسبوق لكل حركات التحرر الوطنية التي قادت للتحرر والإستقلال. وقد تعزي هذه الأزمات لعوامل تتعلق بالفلسطينيين أنفسهم، وبعضها يتعلق بإسرائيل، وثالثة تتعلق بالعوامل الخارجية، وهذا كله نابع من ماهية وطبيعة القضية الفلسطينية.

وفي علم إدارة الأزمات جرت العادة على التمييز بين المتغيرات الرئيسة والمتغيرات التابعة في أي أزمة، وبداية يكون الحل بتفعيل المتغير الرئيس وعدم تحوله لمتغير تابع. وفي الحالة الفلسطينية بدلا من أن يلعب الفلسطينيون دور المتغير الرئيس تحول دورهم لدور المتغير التابع، ولذلك ألقت العوامل الخارجية بما فيها المتغير الإسرائيلي دورها السلبي، وزادت من حدة التعقيدات والأزمات السياسية.

الخطوة الأولى وقبل الحديث عن هذه الأزمات التأكيد على الحاجة للإطار البنيوي الذي من خلاله يتم إدارة أي أزمة، وهذا ليس متوفرا، فالإطار البنيوي او النظام السياىسي أحد أهم مبادئ إدارة وحل الأزمة، فكيف لنا وهذا الإطار هو نفسه يشكل الأزمه الأساس. ولا يسمح بعملية الإستيعاب والإحتواء والمشاركة.

وعليه يمكن القول أن الأزمة الأساس التي منها تتوالد وتبرز العديد من الأزمات، هي الفشل في بناء نظام سياسي توافقي ديموقراطي يعبر عن خصائص البيئة السياسية الفلسطينية، ويكون قادرا على الإستجابة والتكيف مع المعطيات والتحولات في هذه البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المتسارعة في متغيراتها، ولعل بيئة النظام السياسي الفلسطيني مقارنة بالبيئات السياسية للنظم السياسية المستقرة أنها أكثرها تطوراـ وتعرضا للمتغيرات المتحولة، فعوامل التطور كثيرة، سكانيا وهذا هو أهم العوامل، التغير في عدد السكان بشكل ملحوظ وما يصاحب ذلك من ارتفاع سلم الإحتياجات والمطالب والتوقعات، كان أكبر من قدرة النظام السياسي وعناصر القوة المتاحة له لأسباب كثيرة منها تحكم إسرائيل في الموارد الطبيعية

ولا يمكن أيضاً تجاهل عوامل الفساد والأزدواجية، والإنفاق الحكومي الكبير والبيروقراطية الإدارية المتخمة، ومن مظاهر التحوّل التي لم يستوعبها النظام السياسي الفلسطيني أيضاً عدم قدرته على التعامل والتكيف مع ظاهرتين سياسيتين كان يمكن أن تجعلا النظام السياسي الفلسطيني أكثر ديموقراطية، ظاهرة تطور مؤسسات المجتمع المدني والتي بدلا من أن تساهم في البناء الديموقراطي وتقلل من تغول النظام السياسي الفلسطيني الذي طغت عليه الأساليب الأمنية والعسكرية على المدنية، فتحول البناء المدني لحالة مترهلة تابعة.

والظاهرة الثانية التعددية الحزبية المتنافسة والمتناقضة في رؤاها السياسية وخصوصا بين حركتي حماس وفتح، وبدلا من إستيعاب وإحتواء هذه القوى السياسية في إطار من نظام سياسي ملزم للجميع ومن خلاله تساهم وتشارك كل منهما في صناعة القرار، خلقت كل منها نظامها السياسي الخاص، وهذا قد يكون أحد أهم أسباب فشل عملية المصالحة، والتي تكمن في فشل الخيار البنيوي، فاصبحت لحماس بنية سياسية كامله غير قادرة على أن تقبل بما هو قائم، والنظام السياسي القائم لا يسمح بإستيعاب وإحتواء كل الفصائل والقوى السياسية في إطار نظام سياسي الكل يشارك ويساهم فيه، ويشعر أنه أحد مكوناته.

ولقد توفرت هذه الفرصة السياسية التاريخية بعد نجاح الانتخابات الفلسطينية التشريعية عام 2007 التي فازت فيها «حماس»، ويسجل للرئيس عباس تقبله نقل السلطة، وبدلا من أن تكون هذه الإنتخابات هي البداية لبناء النظام السياسي الديموقراطي الفاعل، يبدو أن كلاً من حماس وفتح لم يتخلص من تصوراته ومدركاته السياسية، فحماس لم تبد إستعداداً كافياً للقبول بنظام سياسي تعددي والقبول بالتحول من نظام أحادي تسيطر عليه لنظام أكثر تعددية، وهنا تكمن خطورة فوز حماس في الإنتخابات في أنها تعاملت مع الانتخابات لمرة واحدة وكان هدفها كيف يمكن أن تصبح هي القوة المسيطرة والمهيمنة.

ولهذا لا يمكن لي أن أستبعد أن أحد اهداف سيطرتها على السلطة التي هي جزء منها هو التحول بغزة من بنية إنقسام إلى بنية مستقلة تكون النواة لحركة حماس، ولحركة الأخوان، وهنا تأتي التغيرات الخارجية على المتغير الفلسطيني، وهذا يفسر لنا فشل التجربة السياسية الفلسطينية، وفشل الكل في تحقيق خياراته.

إذن الأزمة هنا مركبه أزمة بناء سياسي، وأزمة تصورات ومدركات سياسية وبدون التغلب على هاتين الأزمتين لا أعتقد أننا سننجح في تحقيق المصالحة نحو بناء نظام سياسي ديموقراطي تشاركي.

وبسبب هذه الأزمة توالدت العديد من الأزمات، وبرزت لدينا العديد من الأزمات السياسية كأزمة الشرعية والثقة السياسية، وأزمات إقتصادية كالفقر والبطالة ، وعدم القدرة على بناء إقتصاد مقاوم، وأزمات إدارية بالتخمة الوظيفية التي تلتهم كل الموارد المالية، وأزمات ذات طبيعة أمنية عسكرية بإضفاء طابع الهيمنة والغلبة لهذه المؤسسات مما يضعف القرار السياسي المدني، وأزمات ذات طبيعة إجتماعية تتمثل في الإنقسام المجتمعي، وأزمات ذات طبيعة ثقافية بإنتشار ثقافة العنف والتشدد والتطرف، وأزمات برامجية سياسية وأيديولوجية تتمثل في تصور كل فصيل ان خياراته وأيديولوجيته وعقيدته السياسية هي الأفضل والأمثل.

كل هذا في النهاية يولد أزمة خيارات معقدة، وستفشل كل الخيارات السياسية، وخيارات المقاومة في خيار ناجح يحتاج لبيئة سياسية فاعلة قادرة على التكيف والإستجابة.

وأنهي بالقول إنه بدون بناء النظام السياسي الفلسطيني، وبدون إجراء الانتخابات وتجديد شرعية المنظومة السياسية القائمة سنبقى بعيدين عن خيار إنهاء الإحتلال وقيام الدولة.

drnagishurrab@gmail.com