تجربة مضيئة في العمل العربي المشترك

بقلم: الدكتور أحمد يوسف أحمد

انتسبت إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ما يزيد على ربع القرن، قضيت ست سنوات منه أستاذاً منتدباً بمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة وعشرين سنة مديراً للمعهد معاراً من جامعة القاهرة، وفي هذه المدة شهدت المنظمة موجات صعود وهبوط تارة بسبب ظروف العمل العربي المشترك، وأخرى ترجع إلى متغيرات خاصة بالمنظمة ذاتها، غير أنها شهدت في الآونة الأخيرة أربع سنوات كبيسة لا داعي لاستحضار تفاصيلها، ويكفي أن أقول إن المرء كاد يصيبه اليأس التام من إمكان إصلاح مسارها حتى قيض الله سبحانه وتعالى لها مديراً في السنة المنصرمة هو الدكتور سعود هلال الحربي، قدم أداءً استثنائياً ونجح في سنة واحدة في إصلاح معظم ما فسد وتقديم مبادرات جسورة لا تمثل علامة فارقة في تاريخ المنظمة فحسب، وإنما مثال يُحتذى في العمل العربي المشترك، ففي هذه السنة حسم دون تردد حالات الظلم غير المبرر التي تعرض لها أربعة من العاملين بالمنظمة وألغى الترقيات المجافية للقانون انطلاقاً من اعتبارات العدالة واحترام القانون، وأشاع هذا السلوك المتحضر مناخاً غير محدود من الارتياح والثقة، ولم تكن هذه سوى بداية لسلسلة من القرارات التي أكدت منذ الوهلة الأولى أننا إزاء إنسان عربي مؤمن بعروبته يمتلك من العلم والخبرة والنزاهة ما يؤهله لأن يسير بخطى ثابتة على طريق إصلاح المنظمة ووضعها من جديد على المسار السليم.

وأبدأ بحالة معهد البحوث والدراسات العربية الذي عانى كثيراً الإهمال والإجحاف بل والتشويه، ولا أنسى أن المجلس التنفيذي للمنظمة، أثناء تولي المرحوم محمد الميلي إدارة المنظمة وعملي مديراً للمعهد في تسعينيات القرن الماضي قد اتخذ قراراً بإلغاء الأجهزة الخارجية للمنظمة ومنها المعهد، وقد دخلت بعدها معركة طاحنة تشرفت فيها بدعم السيد عمرو موسى وكان آنذاك وزيراً للخارجية والمرحوم الدكتور حسين كامل بهاء الدين وكان وزيراً للتعليم، فكتبا رسالتين صارمتين تؤكدان أن مصر لن تقبل قراراً كهذا يقوض مؤسسة لها تاريخها العريق ودورها الثقافي العربي الرائد، كذلك وقف المرحوم الدكتور عصمت عبد المجيد أمين عام الجامعة العربية آنذاك بصرامة ضد القرار، ولمن لا يعرفون هذا الرجل شخصياً فإنه رغم وداعته كان ينقلب إلى أسد هصور إذا أحس بأن هناك من يريد شرا بإحدى مؤسسات العمل العربي المشترك، وقد شهدت له في هذا الشأن موقفا آخر حين ضرب المائدة بيده بقوة وهو يقول بحسم «لن تُغلق في عهدي مؤسسة للعمل العربي المشترك» معلقاً على طلب مندوب إحدى الدول العربية إلغاء الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية، وعقب هذه المواقف المشرفة تراجع المجلس التنفيذي للمنظمة وبقي المعهد وأجهزة المنظمة الخارجية كافة.

وبعدها سار المعهد في طريقه بحمد الله من نجاح إلى نجاح حتى اتسعت أنشطته فضاق به مقره فبدأنا نفكر في إنشاء مقر جديد، ونتيجة لتجربة رائدة في التمويل الذاتي والحوكمة المالية تمكنّا من شراء قطعة أرض مساحتها عشرة آلاف متر2 بمدينة 6 أكتوبر لبناء المقر الجديد الذي لم يكن هناك حماس كبير له في إدارة المنظمة إلى أن أجبَرَنا مديرها السابق على اقتسام الأرض مع معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة أيضاً رغم أن مقره الرسمي في الكويت، وقد استعوضت الله في أرض المعهد التي دفع فيها من موارده الذاتية قرابة 25 مليون جنيه فإذا بالله سبحانه وتعالى يقيض الدكتور سعود هلال الحربي ليس فقط لإعادة الحق إلى نصابه وإنما للمسارعة بوضع حجر الأساس للمعهد بعد أن عطل الكثيرون هذه الخطوة بحجج واهية، بل لقد اكتشفت أن الرجل يسعى جاداً للحصول على منحة كريمة من دولته الكويت للإسهام في بناء المقر، وقد حصل بالفعل على منحة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي مقدارها مليونا دولار لمعهد الخرطوم الدولي وهو جهاز آخر من الأجهزة الخارجية للمنظمة يضطلع بمهمة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهو ما يعكس صدق إيمانه بدور هذه الأجهزة التي أُهملت طويلاً.

غير أن كل ما سبق يوضع في كفة ودوره في محاربة الهدر والفساد في المنظمة في كفة أخرى، فقد تسلم المنظمة واحتياطياتها النقدية في صندوق النقد العربي تساوى الصفر والسيولة النقدية المتاحة لا تكفي رواتب الموظفين لشهر، فبادر بتقليل الهدر في الإنفاق إلى أقصى حد، ويعلم الجميع أن الهدر إما أن يكون استهتاراً أو فساداً، فحَصَر الدكتور سعود سفريات المنظمة في الدرجة السياحية، وقلص أعداد وفودها للخارج إلى اثنين كحد أقصى، وكانت تصل أحياناً إلى سبعة، وأعطى الأولوية لتنظيم أنشطة المنظمة في مقرها بما قلل التكاليف، وقلص نتيجة لذلك نفقات السفر من قرابة ربع مليون دولار في سنة 2015 إلى ثمانين ألفا في السنة التي تولى المسئولية فيها، ووفر حوالي خمسين ألف دولار في نفقات التشغيل وعشرين ألفا فقط في نفقات الطباعة، وألغى الأنشطة المظهرية أو غير ذات الأولوية بما قيمته حوالي نصف مليون دولار، والأعجب أنه عالج مشكلة تسرب المياه بالدور الأرضي للمقر بتكلفة مقدارها 1500 دينار تونسي وكانت المكاتب الاستشارية تقدرها بسبعمائة ألف!.

وهكذا أعاد في سنة واحدة بناء الاحتياطي النقدي للمنظمة من الصفر إلى 2.4 مليون دولار، ويعلم ذوو الخبرة أن إنجاز هذه الخطوات لابد وأن يكون مبنياً على معرفة تامة بأحوال المنظمة لابد وأن يكون الدكتور سعود قد اكتسبها خلال عمله ممثلاً لبلده الكويت في المجلس التنفيذي للمنظمة، ولسوء حظها فإن كفاءة الرجل ونزاهته قد دعت القيادة الكويتية إلى استدعائه للاضطلاع بمهمة بالغة الحيوية في وطنه، فجزاه الله خيراً عن إخلاصه وإنجازه وقيض للمنظمة مجدداً من يواصل مسيرتها بالنهج نفسه والإخلاص ذاته.

...عن "الأهرام" المصرية