ألق الرياضة رغم أرق السياسة

بقلم: د. هشام أحمد فرارجة

في الوقت الذي تُمزق الساحة السياسية الفلسطينية فيه متاهات السياسة التقليدية التي تقود من انقسام الى انقسام أسوأ، ومن احباط الى احباط أعمق، ومن مجهول الى مجهول أكثر قتامة وأكثر تسبيباً للأرق، تُطل الرياضة الفلسطينية من خلال المنتخب الوطني لكرة القدم، المعروف حقا ب"الفدائي"، لترفع اسم فلسطين عالياً في كافة المحافل الرياضية الدولية، حتى في وجه غير الصديقة منها، ولتبعث الأمل في نفوس الفلسطينيين الذين أثقلت كاهلهم موجات الإحباط المُتعاقبة، ولتؤكد أن هناك طريقة أخرى أفضل للعمل الفلسطيني، رغم اختلاف الرؤى وتعدد الآراء داخليا.

فخلال فترة لم تتجاوز العقد من الزمن، حدثت في فلسطين ثورة رياضية غير مسبوقة على المستوى المحلي والقاري والدولي، خاصة في حقل كرة القدم. فرغم ضآلة الإمكانات وشُحها، وانعدامها أحيانا، ورغم ما يواجهه المنتخب من تعقيدات وتحديات جمة بسبب العراقيل التي يضعها الاحتلال الاسرائيلي أمام تنقل وسفر أعضائه للتدريب واللعب في مسابقات رسمية وغيرها، فقد قفز ترتيب فلسطين في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، في عام 2018, 75, متفوقا بذلك ب23 خانة على ترتيب منتخب الاحتلال الاسرائيلي ذي الإمكانات الهائلة والتسهيلات اللامحدودة، والذي كان ترتيبه 98, فقط. وهذا الفدائي نجح بشكل باهر في الحفاظ على مكانته في نادي المئة في عالم كرة القدم.

ومن المُفارقات التي تدعو للفخر والاعتزاز أن المنتخب الفلسطيني قد نجح في التأهل لكأس آسيا لكرة القدم، في نسختين متتاليتين للمرة الأولى في تاريخه، في الوقت الذي فشل فيه منتخب الاحتلال في التأهل لكأس الأمم الأوروبية منذ انضمامه للاتحاد الأوروبي لكرة القدم في العام 1991.

وفي النسخة الحالية لكأس آسيا 2019 التي تستضيفها دولة الامارات العربية المتحدة، نجح الفدائي افتتاح مشواره الآسيوي بتقديم أداء بطولي امام شقيقه المنتخب السوري والخروج منه بنقطة تاريخية، ستعطيه بلا شك حافزا قوياً لمواصلة التحدي والبحث عن حظوظه في التأهل للدور الثاني من البطولة.

وحقا أياً كانت نتائجه في باقي مبارياته، الإ أنها تستحوذ على اهتمام المُتابعين والمراقبين، ليس فقط لمدلولاتها الرياضية الهامة، وإنما أيضا لما تحمله من رسائل سياسية تحديدا مواجهته أمام المنتخب الأسترالي، ذلك الأخير التي هددت حكومة بلاده أكثر من مرة بنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس، أسوة بما فعله الرئيس الامريكي دونالد ترامب. فكل العيون تَرقب الفدائي الذي يمثل فلسطين، مُوحداً، وبشرف وفخار، ومن مجدٍ الى مجد، رغم كل التحديات والعقبات، سواء كانت لوجستية أو سياسية.

إن نجاحات الفدائي المُتكررة لتشكل مدعاة حقيقية للتوقف عندها والتأمل في كيفية حدوثها. فهي تشكل نموذجاً فذاً للعمل الفلسطيني، يُحتذى به على كافة الصعد، في السياسة التقليدية، التعليم، الصحة، البحث العلمي وسواه. وبالتأكيد، فإن هذه النجاحات لم تكن وليدة نفسها، وإنما نابعة من إيمان القائمين عليها، اداريين ولاعبين، بأن التفوق الفلسطيني واجب وممكن، إذا ما أحكم التخطيط له، وإذا لم يكن رهينة لأية تناقضات وخلافات ثانوية هنا وهناك.

فكيف يا ترى تمكن الفدائي من القفز من أسفل القائمة في التصنيف الدولي الى هذه المرتبة الراقية المرموقة؟ إن العبر والدروس التي يجب استقاؤها والعمل على الأخذ بها كثيرة، بالفعل. فمن ناحية، واضح أن خطة العمل للمنتخب اعتمدت نموذجاً شمولياً للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في كافة أرجاء العالم، سواء داخل الوطن أو في الشتات.

فهذا الاستقطاب للطاقات والمهارات الفلسطينية المُبدعة لم يعتمد اسلوب الشخصنة والعائلية أو الانتماء الحزبي والعقائدي، وإنما متطلبات الكفاءة. فالمنتخب يجمع بين صفوفه لاعبين من فلسطين التاريخية الى اللاعبين في الشتات.

وبالاضافة الى تغليب اعتبارات المهنية والشمولية في الاستقطاب، يُسجل للقائمين على ادارة ورعاية اتحاد كرة القدم قدرتهم للتعالي على الانقسامات والتشرذمات الفصائلية والحزبية التي تنخر في الجسد الفلسطيني وتعيث فيه فساداً وإفساداً. فواضح أن رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، الذي يقيم في الضفة الغربية، وأحد أبرز الاعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح، لم يقبل أقل من مشاركة قطاع غزة له في ادارة الاتحاد، حيث تم تعيين نائبه الأول إبراهيم أبو سليم وسط ترحيب ومباركة الكل الفلسطيني.

ولعل العلاقة القوية التي تربط الرجوب بنجل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، "عبد السلام" الذي يشرف على النشاط الرياضي في القطاع مُتسلحا بدعم كبير من حركة حماس على كافة الأصعدة، كان لها اثرا إيجابيا في الحفاظ على حالة الوحدة الرياضية الوطنية برمتها، بعيدا عن أية خلافات وعقبات داخلية، حيث أن عبد السلام يشغل عضوا في المجلس الأعلى للشباب والرياضة الذي شكله الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى جانب عضويته في اللجنة الأولمبية الفلسطينية.

وفي ظل تلك الظروف المُعقدة والصعبة التي انتزع فيها الفدائي الانجازات وما زال ينتزعها في عالم الساحة المستديرة وطنيا وقاريا ودوليا، فإن هاماتنا تنحني لكل أعضائه احتراماً وإكباراً، ولكل من يعمل في حقل السياسة التقليدية صرخة ونداء للاقتداء بما يمثله الفدائي وبما يجسده من معاني، وطنيا، اقليمياً ودولياً. فشامة الفدائي تعلو خفاقة في كل مكان وتقول: إن الاحتلال قد ينجح في السيطرة على أرضنا ومقدراتنا لحينٍ من الزمن، ولكن إرادتنا تتفوق عليه في كل ميدان رحب من ميادين الحياة، وخاصة الآن في كرة القدم.

د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية